“رمزي”

مِن نِعَم الذاكرة علينا، أنها تزودنا بنصيب معين وقدر قليل من أحداث الماضي، ولا تُغرق كاهل عقولنا بتفاصيل كثيرة قد نستغني عنها، وقد نستحضرها تحت وطأة حاجتنا إليها.

“رمزي” كان جامع الأحلام والشاهد الوحيد على الهزيمة الأنثوية الجماعية، هو الخبر الأهم في نشرة أخبار الحالمات، أسيرات “رمزي”… فارس أمنياتهن وقدرهن المُعجّل.
تعاني المرأة من انتكاسات ما بعد الحب، حين تلتقي وتعيش مع رجل ثابتٌ نَسبه إلى الواقع، تدرك أنها لم تلتقِ بنفسها كما كانت تعتقد، فما أجمل الرجل ما دام مغلفاً بصفات البطولة، لم تجمعه الحقيقة بامرأة.
هنا تعيد الذاكرة “رمزي” من النسيان بعدما كان تحت الإقامة الجبرية لأحلامها ..

بنيّة غير معلنة رغم وضوحها، لكل امرأة رجل يسكنها، تمحي ما لا يعجبها به أو ترسم ما تتمنى وجوده بإشارة من حلم، تظن أنها كفلوبير حين قال: ” كل ما يخترعه الإنسان يصير حقيقة”، فتخترع رجلاً من بحر الأوهام القَصِي، كيف لا تصنع رجلاً من صقيع الخيال المتجلد، تصافح وجهه في ملهى إرادتها، كيف لا وحُلم المرأة جمالها.
لطالما عجزت عن فهم تلك الجداول من النصائح الاجتماعية التي تملأ صفحات المجلات والكتب والمواقع الإلكترونية لتحضّر المرأة لتتعامل مع زوجها وتسعده، وكيف تحل مشاكلها الزوجية، وكيف تتعامل مع مزاجيته، وما هي الإشارات التي تؤكد أنه ما زال يحبها، وفي المقابل تحضّر الرجل لاستقبال امرأته كطبق أنيق معدٍّ من نصائح واهية، تجرفه غرائزه، وتتسكع رجولته الشرقية في نعيم مفاتنها، ليس غريباً إذاً أن يُخلق رجل وهمي في خيال المرأة تسميه “رمزي” كناية عن كل ما تمنّت من صفات في زوجها وحبيبها، المشكلة ليس في ساكن الخيال بل في ما يحدث حين تفض عذرية الأحلام، وتبدأ مناظرة المقارنة بين “رمزي” وبين رجل حياتها الحقيقية.

الأمر لم يعد جديداً أو خفياً؛ المرأة والرجل من كوكبين مختلفين، تهرب هي حين يخذلها إلى الدموع، ويهرب هو إلى حضن امرأة أخرى مدعياً كما هي العادة أنها عصية على الفهم، رغم أن سرها ليس صعباً ولم يكن يوماً كذلك، تريدك أن تراها كما هي لا كما الرجولة تفرض عليك صورة المرأة، وأن تحمل هواجسها ومستقبلها بين شفتيك وتقبلهما بحنان كأنهما هي.

كلما اجتمعت أنثى بأخرى، اكتشفت أن النساء ينتمين إلى نوع واحد فريد من الورد ليس أكثر، تجمعنا أحلام غير بريئة، عذوبة فكرية، أنانية علنية، كيف لا تكون المرأة سيدة الكون الأولى، وهي ثواب الجنة للرجال!
لعل هذا يفسر لي لمَ كل القصائد والحكايات حيكت لتصف فارس الأحلام القوي الخيّال، فالقصائد كتبت لتخليد صفات غير موجودة، وليس أي رجل يستحق عنفوان امرأة…

أما مناسبة الخوض في ذكريات “رمزي”، أني التقيت صديقة قديمة ما زالت تنتظر “رمزي”؛
“رمزي” صورة الرجل الجميلة التي نسجتها بإسقاطات الأوهام وتراكم حكايات الأبطال، رمزي مجموع صفات غزلتها رغبات الفتيات على أمل أن يكون حبيبها على هيئته.
فانتظري إن فرغت من حزنك على ضياع رمزي، انتظريه كباقي الأحلام… لأن اليوم صانع الغد…
الأحلام خلقت من أجلك فلا تكوني نصف امرأة معلقة بطرف حلم…
والله لا يمل دعوات عبده!

من منا لم تغفُ على وقع خطوات “رمزي” في أحلام قلبها!

جلنار

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s