
لم تكن حُسنى تخاف من المحكمة. الخوف كلمة أكبر مما شعرت به. لكنها كانت تعرف، منذ الصباح، أن هذا المكان سيأخذ منها شيئًا، حتى لو خرجت منه منتصرة على الورق.
ذهبت إلى الجلسة النهائية. «النهائية»… كلمة تُقال بسهولة، كأن ما قبلها لم يكن عمرًا كاملًا.
لم تره منذ عام. عامٌ كاملٌ من القطيعة والصمت. ومع ذلك، حين جلست على المقعد الخشبي البارد، شعرت به حاضرًا أكثر مما توقعت.
اشتاقت إليه. باغتتها الحقيقة، وفوجئت بنفسها. ومن قال إن الاشتياق يشترط بقاء الودّ؟ هناك مشاعر لا تموت بقرار قضائي؛ فقط تنسحب إلى زاوية قصيّة داخلنا، وتصمت.
كانت تراقب من نافذة صغيرة مشهدًا لا علاقة له ببرودة المكان؛ عصفوران صغيران يقفان على حافة الحديد، متقاربين، هادئين، كأن ضجيج المحكمة لا يعنيهما. وجودهما خفّف شيئًا في صدرها. لم تعرف ماذا، لكنها تنفست بعمق.
ثم سمعت وقع خطواته. لم تكن بحاجة لأن تلتفت. عرفت أنه وصل. ميّزت إيقاع مشيته من بين عشرات الخطوات، كما لو أن هذا الإيقاع لم يغادرها يومًا.
همس لها محاميها بصوت محايد: «اليوم ستأخذين حريتك». تساءلت في سرّها: متى صار الزواج قيدًا؟ ومتى صار الحب شِباكًا؟ ولماذا يتحدثون عن العلاقات بلغة السجون، وكأن نهاية السنين المشتركة بينما يمكن اختصارها في كلمة «حرية»؟.
اقترب. صار بقربها، ولم تعد تسمع خطواته، بل أنفاسه. جلست متيبّسة. أنفاسه لم تتغيّر. حتى هي… لها صوتٌ تعرفه.
جلس بقربها، ولم يلقِ التحية. لم تغضب. تمنّت فقط لو يلتفت، لو ينظر في عينها ولو لثانية واحدة، لو يقول أي شيء يكسر هذا الجليد. كانت تريد عناقًا؛ ليس عناق رجوع، ولا محاولة أخيرة، بل عناق وداع، كأن الجسد يريد أن يضع نقطة أخيرة حيث يعجز الكلام.
ما إن استقرّ جسده على الكرسي، حتى فزع العصفوران وطارا. تفرّقا فجأة، كما لو أن يدًا خفية صفقّت لهما. فهمت الرسالة: حتى الكائنات الهشّة تعرف متى يجب أن ترحل. مرّت الجلسة أسرع مما توقعت؛ كلمات رسمية، أختام، تواقيع، ونهاية.
وقف، أدار ظهره، وغادر. لفحها نَفَسُه للمرة الأخيرة، كأن الهواء أراد أن يحتفظ بشيء من رائحته قبل أن يغيب.
طلب منها المحامي الانتظار في القاعة الخارجية لاستلام الورقة. دخلت القاعة؛ رجال غرباء، دخان كثيف، وأصوات عالية متداخلة. فجأة، شعرت بعدم الأمان. عارمةً كانت وحشتها.
تذكّرته. تذكرت كيف كان يقف بجانبها في الأماكن المزدحمة، يحوطها بكتفه، يحمي المساحة حولها تلقائيًا، حتى وهما في أشد لحظات الخصام. كانت متأكدة أنه سيلاحظ ارتباكها الآن، سيأتي، سيقف معها، على الأقل حتى تستلم الورقة وينتهي كل شيء.
التفتت نحو الباب بقلبٍ يرتجف. وحين رأته، توقّف الزمن لحظة. التقت عيناهما. هذه المرة، لم يكن بينهما زجاج، ولا محامون، ولا منصة قضاء.
ارتبكت. أرادت أن تبتسم، أن تقول له بعينيها: «أعرف أنك لن تتركني وحدي وسط هذا الزحام، ليس الآن». أرادت أن تصرخ: «ورقة واحدة، حتى لو كُتب فيها (طلاق)، لا تستطيع أن تمحو كل ما كان».
لكنها لم تقل شيئًا، فقد رأت عينيه تعبرانها، تخطّتها نظراته كأنها فراغ، كأنها لم تكن هناك. ثم رأته يمضي، يغادر القاعة، ويغيب.
في تلك اللحظة فقط، سقط كل شيء.
شعرت بنقرٍ باردٍ يسري في جسدها، وبشيء أثقل، وأكثر وضوحًا من أي وقت مضى. أدركت أن العلاقات لا تنتهي حين نوقّع الأوراق، بل تنتهي تمامًا حين يختار أحدهم، بملء إرادته، ألّا يلتفت.