يوميات حُسنى

كيفك إنت

كان الهاتف يضيء وينطفئ بإلحاح. لا يكف عن الرنين. لم تكن حُسنى تملك رفاهية التوقف. يداها غارقتان في تفاصيل يومٍ مزدحم كما اعتادت، وعقلها يطارد مهامًا تتناسل من بعضها. تركت الشاشة تنطفئ، وأكملت ما تفعله ببرودٍ يناسب امرأة احترفت الركض في مكانها.

بعد ثوانٍ ومضت الشاشة مرة أخرى. رسالة قصيرة من صديقتها، كلمة واحدة: “كيفك؟”

توقفت حسنى. حدّقت في الأحرف الأربعة كأنها تقرؤها لأول مرة. هذه التحية الروتينية التي تُرمى في الهواء آلاف المرات يوميًا دون أن ينتظر أحدٌ جوابها… بدت لها فجأة كسؤالٍ فخ، أو كحجرٍ ثقيل أُلقي في بركة راكدة.

كيف حالها؟ كيف هي حسنى بالفعل؟

امتدت أصابعها لتكتب الرد الجاهز الذي يحرس خصوصية التعب:

“بخير، الحمد لله، مشغولة قليلًا”.

لكن أصابعها تجمّدت فوق لوحة المفاتيح. لأول مرة منذ شهور—وربما سنوات—وجدت نفسها عاجزة عن الكذب، وعاجزة عن قول الحقيقة في آنٍ واحد.

لأنها، وببساطة موجعة، لا تعرف كيف حالها.

ليست حزينة بما يكفي لتبكي، ولا سعيدة بما يكفي لتخفّ. متعبة… لكن التعب لم يعد طارئًا؛ صار وضعها الافتراضي، ولونًا أليفًا اعتادته.

أدركت حسنى أنها غابت طويلًا… غابت عن نفسها. انقطعت عن مراقبة روحها، وتوقفت عن طرح الأسئلة، لأن الوقوف أمام المرآة الداخلية يحتاج وقتًا وشجاعة لم تعد تملكهما. كانت مشغولة جدًا بـ“النجاة”: عبور الأيام بأقل قدر من الخسائر، شطب المهام، إبقاء كل الكرات في الهواء، والابتسام المطمئن في وجوه من يطلبون منها أن تكون صلبة دائمًا.

يا لقسوة سؤال “كيفك” حين يأتي في لحظة تجرّد.

إنه يجرّدك من دروعك، ويضعك وجهًا لوجه أمام روحك المتروكة.

تراجعت عن الرد. أغلقت شاشة الهاتف، وأسندت رأسها إلى الخلف. وسط ضجيج يومها المزدحم، تسلل إلى رأسها لحنٌ قديم، وصوت فيروز يصدح بشجنٍ لا يشيخ. ابتسمت بمرارة خفيفة. فيروز لم تكن تسأل حبيبًا غائبًا في تلك الأغنية، حُسنى متأكدة من ذلك الآن.

فيروز كانت تسأل نفسها التي تركتها في مكانٍ ما بالماضي، ولم تعد إليها. أغمضت عينيها، وتركت شفتيها تتحركان ببطء، تدندن بوجع خفي: “كيفك إنت؟ ملّا إنت“.

أغمضت عينيها، ودندنت بوجع خفي: “كيفك إنت؟… ملّا إنت.”

ثم همست لنفسها: قبل أن تجيبي بـ“أنا بخير”… خذي نفسًا عميقًا، واسألي قلبك: كيفكِ إنتِ؟

أضف تعليق