كتاباتي

الكاتب تحرضه الكلمة وتحاصره الفكرة

أكثر ما يخيف الكاتب،  فكرة خام تؤرقه وقد عجزت لغته عن صقلها، ذلك ما يجعل من الصفحة البيضاء الفارغة من أفكاره وكلماته ذعراً حقيقياً يفزعه كما لو أنه يواجه أخطر عدو على تخوم حضوره الأدبي، فهاجس الكتابة يجعله يضع الحياة والكتابة في ميزان تتساوى دفتيه، وقد ترجح في نفسه ولو سراً دفة الكتابة لأنها بالنسبة إليه وجوده الحقيقي. 

خلال الأسابيع الأخيرة من نهاية العام ، تكثر الإصدارات الأدبية الجديدة، الشعرية والروائية والنثرية،  ويضع  النشطاء من القراء خططهم للقراءة خلال العام الجديد ويعلنون تحدياتهم بإنهاء قراءة أعداد كبيرة من الكتب، حتى الجوائز الأدبية تعلن عن قوائمها أو تفتح أبوابها أمام مرشحين جدد لدورات العام الجديد، ووسط تلك الموجة العذبة التي تحدث نهاية كل عام يتساءل بعض القراء ممن خالفت بعض الأعمال توقعاتهم خاصة أولئك الذين ينتظرون كاتباً معيناً يتابعون جميع إصداراته، إن كان هناك سبب ملحّ لأن يُصدِر الكاتب كتاباً جديداً إن لم يكن لديه فكرة فريدة ومغايرة لإصداراته السابقة، فهل هناك ما يستوجب أن يصدر عملاً جديداً  ليبقى حاضراً بين الحضور، ويتجاهل بضعف عمله الجديد قوة أعماله السابقة وأثرها على قُرّائِه كما يتصورها محبوه وبأن الناقد الحقيقي الذي يمارس سلطته بالتقييم دون قيود تحده هو القارئ نفسه الذي قد ينقلب عليه أو يبقى درعه الحامي.

أجاد العبقري ماركيز التواصل مع القارئ أثناء كتابته لكلاسيكيتة الشهيرة “مئة عام من العزلة” فقد نشرت إحدى الجرائد الإسبانية تحقيقياً حول روايته الأسطورية ، قيل في التحقيق أن ماركيز بعدما قرأ روايته وهي شبه مكتملة شعر بأنه تورط بنصه كمغامرة تتصارع بها الكارثة مع السعادة، فانتابه ما يشبه التراجع وعدم الحماس لنشرها، فالكاتب حتماً متورط بنصه، ذلك ما دفعه وهو صحافي قبل أن يكون روائياً، إلى نشر سبعة فصول من روايته في صحف مختلفة، لتطمئن وساوسه وتهدأ ريبته، ونتيجة لنشره تلك الفصول تابع ماركيز آراء وانتقادات القراء باهتمام حتى أنه قام بنشر أحد الفصول في جريدة معظم قراؤها من النقاد والقراء المتمرسين، وأعاد ماركيز كتابة الفصول المنشورة في الصحف بحسب ما تلمسه من القراء فجاءت الرواية بتلك الواقعية والغرائبية التي جعلتها أيقونة أدبية فريدة، وأخذت تلك التعديلات عاماً إضافياً حتى ينتهي من كتابة روايته كما نُشرت بنَصها الأخير. 

قد تتوقف الكلمات فجأة وتصبح عسيرة الوجود، وقد تبقى حبيسة فكر الكاتب حتى يتأتى لها ظرفاً يناسبها لترسى أخيراً على صفحاته، وفي أتون هذا الركود تأبى الكلمات الهوادة  وتنزف الأفكار أحرفاً  ومفردات مشوشة من حصارها. يحدث أن يتعرض الكاتب لما يسمى“قفلة الكتابة” حين تهجر الكلمات صاحبها وترصد أثر بُعدِها بينما هي على شفا أصابعه تلوح بظلها وتثير رائحة الأفكار والأحداث، قريبة وبعيدة في الوقت ذاته، ذلك ما يجعل الكتابة عمل مضني لأن الكاتب يُدمن ممارسته للكتابة وصياغة مفرداته بذوقه وحسه الخاص  ويشغله هم أبحاثه ومشروعه الأدبي أو العلمي، وغالباً ينسحب القارئ إلى عالم النص الداخلي ليجد نفسه طرفاً من أطرافه، وقد يظهر للقارئ الذكي أثر صراعات الكاتب مع قسوة الكلمات وصلابتها، رغم ذلك  في معظم الأحيان يجد الكاتب لنفسه فسحة للكتابة حتى لو اختلفت عما هو معتاد فهذا جزء من ترويض الكلمة، لذلك نجد الكاتب يكتب في أنماط الكتابة المختلفة، قد يهرب من الرواية إلى الشعر أو يستظل بالنثر، فهو لا يملك إلا أن يكتب لأن الكتابة حاجة ملحة. 

كتاباتي

“والله قد عبتم على ما أقررتم لابن الخطاب”

لدينا تصور داخلي بأن الآخر أفضل، وبأن ما لا نملكه بين أيدينا يمتاز عما هو متاح بمزايا لا نحاول حتى حصرها؛ لظنِّنا بأنها لا تحصى، شيء ما يجعل التمرد حالة نعيشها وليس مجرد صفة تتغلب علينا أو نغلبها بحسب الظروف، حتى الأوطان نهجيها في عقر أحضانها ثم نغدقها مديحاً في بُعدها. 

نتوق لمدينة فضلى بعيداً عن الفضائل، ذلك ليس بالأمر الغريب، بل هو جزء من النقيض الذي نعيشه،    ذلك ما جعل كل المدن الفاضلة كما تناولها الفلاسفة في أبحاثهم المستفيضة ورغم كل ما أحدثوه من تطور على الفكرة الأم بقيت المدينة الفاضلة وهماً بعيداً لم ير الوجود.. ولن يراه. منذ أوجدها أفلاطون لتكون مجتمعاً ضيقاً يستند إلى الفضيلة كمرتكز أساسي وحتى طوّرها الفارابي لتكون أقرب إلى التحقيق كما ظنّ وجعل لها مفهوماً أوسع بحيث تكون مجموعة من المجتمعات أو الأمم المتحالفة فيما بينها، على أن تبقى الفضيلة شرطاً  لتحقيقها فأراد بذلك مجتمعات إنسانية فاضلة ومتحالفة، أيمكن أن يكون هناك وهم أكبر من إجتماع التحالف والفضيلة معاً ونحن غالباً ما نتوغل بالحرب والرفض، حرب الفضيلة ورفض التحالف.

من أقسى الثورات عبر ممرات االتاريخ، إن جاز لي أن أسميها ثورة، فهي تكاد تكون نقطة سوداء لها عبرها ولها مآخذها، مقتل الخليفة عثمان بن عفان، الذي جعل بيته بيتاً لمال المسلمين قبل أن يكون للدولة آنذاك بيت مال، والذي زاد الخير في زمن خلافته وزادت الثروات واتسعت الدولة، وقد واجه أصعب منعطفات وأزمات قد تمر بخليفة أو حاكم، ففي بداية حكمه بعد مقتل عمر بن الخطاب زاردت الفتنة وانسحبت الدول الكبرى مثل الروم والفرس من معاهداتها السابقة مع الدولة، فواجه ما يشبه الردة ممن هم خارج الدولة ونزاعات داخل دولته، واستطاع أن يدير الأزمة بإدارته وخبرته، وفي زمنه واجه الغزوات البحرية التي لم يعهدها خليفة قبله، فعمر بن الخطاب كان يتجنب أي مواجهات بحرية ويفضل الصلح على ركوب البحر، لكن مواجهة الغزوات البحرية فُرضت على عثمان للمرة الأولى واستطاع أن يديرها رغم أنها تعد سابقة، الكثير من المواقف أدارها عثمان بدراية وفطنة وشواهد الأحداث والتاريخ لا تحصر، ورغم مكانته وأمانته ومواقفه، كان من انقلبوا عليه حتى قتلوه يتهمونه بالضعف، أما دليلهم لضعفه هو منهج الشورى الذي اتبعه عثمان،  وانقياده لمستشاريه، -الشورى- التي حتماً لو لم يتّبعها لاتهموه بأنه أحادي الرأي ومتفرد بقرارات دولته، فقد رفضوا خلافة عمر بن الخطاب من قبله لشدته وحزمه، فروي أنه عندما حضرت الوفاة أبا بكر، سأل بعض الصحابة حوله عمن يتولى الخلافة بعده وأشار إلى عمر، فذّكروه بشدته وقسوته،فأجاب أبوبكر: إنه يشتد لأنه يراني رقيقاً فإذا وكل إليه الأمر فلا خوف من شدته.

 فلا هم رضوا باللين ولا بشدة، بل وكثرت بعدها المقارنات في زمن عثمان بينه وبين عمر بن الخطاب، ومن خطبته بعد تفاقم الفتنة،“ ألا فقد عبتم على ما أقررتم لابن الخطاب بمثله، ولكنه وطّنكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه فدنتم له على ما أحببتم وكرهتم، ولنت لكم وأوطأتكم كنفي وكففت عنكم يدي ولساني فاجترأتم عليّ”.                                                                                                                                   

ذلك البعد المتناقض القديم المتجدد الذي يرسو في خوالجنا، جعل من ثورات زماننا بدايات حارقة، فلم ترتق أي منها إلى ما هو أبعد من البداية، بعضها تحولت إلى حروب قضى فيها من قضى دون أن يعلم إن آلت روحه العابرة دعامة تسند عقيدة التغيير التي آمن بها،  وبعضها الآخر لم تؤت أوكلها وعادت بثوارها إلى ما قبل البدايات وأقسى، وحولت عقائد الثوار التي ظنوا أنها تجمعهم إلى خصومات ضيقة وطمست أهداف ثوراتهم، وإنقلبت عليهم.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                  

كتاباتي

حياتنا ليست إلا “حمل مهدّد”

لا نخفق حين نُهزم فحسب، بل حين نخضع للحياة وهي ترمي عثراتها بين فواصل خطواتنا فتموت رغباتنا، أو تبقى دفينة في جسد خفي من أمنياتٍ تستظل تحت عريشة الأمل. ولنكون أكثر صدقاً مع أنفسنا حتى الأمل تراجع عن كونه فضاءاً رحباً نتكىء عليه، أو لعله هزم هو الآخر، فلم يعد هناك ما نسند عليه خيبتنا.

ورغم ذلك هناك من يدفع بإصراره ثقل العثرات ويعيد المحاولة، ذلك أن الإصرار وحده وريث عرش النجاة من شباك مُعدّة لامتحاننا لنـُثْبِت أحقيتنا في البقاء أو الاندثار. وعلى الجانب الآخر هناك من يأبى مواصلة رحلته عندما يصطدم بعبثية الحياة وتطوِّقه هفواتها فيفضِّل البقاء في جوف الأمان الذي أعدّه لنفسه بعيداً عن الوجود، في هدوء العتمة وسلام العزلة.

المطاف لا نهاية له، تلك حقيقة، فالنهاية وهمٌ كبير، والوهم ساحرٌ بحيث يُلقِى بظله الطويل علينا فلا ندرك أن ظلّه الغامض يُمحَى بإعادة توجيه خطواتنا نحو ممر آخر يفضي إلى الطريق ذاته الذي نقصد الوصول إليه.

ذلك ما حدث بينما كنت أكتب روايتي التي صدرت أخيراً بعنوان “حمل مهدّد”، ربما هي قشة الغريق التي ذابت من فرط تمسكي بها، هي ما جعلت للنهاية معنى جميل بحيث تحولت الرغبة الجامحة بكتابتها إلى واقع وُجد أخيراً بعد جهد كبير، كثيراً ما شعرت بالانهزام وربما الرغبة بالتوقف وإرجاء كتابتها لحين استكمال بحثي عن التفاصيل والمعلومات اللازمة لبعديها الزماني والمكاني، لكن القوة الكامنة داخلي كانت تعيدني للعمل والبحث الدقيق كلما وصلت إلى حافة الإستسلام، هناك بعدان لأي عمل نتوق لتحقيقه، الأول وجوده الراسخ في وجداننا، ووجوده يشبه النطفة التي نحملها في رحم أمنياتنا فإما أن تنضج وتولد وإما أن تجهضها الظروف وهي ما تزال في طور التكوين، أما البعد الثاني ولعلّه الأهم، فهو القوة الكامنة فينا لإعادة بناء وترميم أحلامنا وأعمالنا وشيكة الإجهاض وحتى تلك المجهضة يمكن إعادة تكونيها إذا كان ما نحمله فينا يؤمن بأرحامنا كأننا له وطن، وليس مجرد وهم مرمي على ساحل مهمش في طريق الحياة.

الحقيقة كانت الظل الوحيد الذي قررت أن أصنع منه عريشة تعلو أفكاري وتحميها، والحقيقة هي أني أردت لهذه الرواية الوجود، فتحمّلت مسؤولية نقل هموم أبطال الرواية الذين قابلتهم واستمعت إلى ظروفهم ومشاعرهم وتجاربهم، كانت ألسنتهم تنطق بواقع يبدو خيالياً، فكنت كلما تعبت حدّ الإستسلام تعيدني قسوة تجاربهم إلى صفحات روايتي، وجعلتني مقدرتهم على استكمال حياتهم رغم الإنكسارات الكبيرة أستكمل عملي من نوافذ واسعة حين تضيق نافذتي الخاصة. ودرّبت نفسي أن أرى النهاية بداية جديدة، أوسع أفقاً من سابقتها عملاً بإحدى مقولات الرواية: “قبل أن تقترب من هزيمة حلم، عليك أن تتعلق بقشة حلم آخر”، حتى لو أعدت كتابة فصول الرواية من جديد، فالرواية تستعرض حياة أبطال يحاولون بجهد تجاوز هزائمهم وإخفاقاتهم الداخلية بالسعي وراء أحلام تعيش في رحم الأمنيات في ظل الحرب وما لحقها من مفاجآتٍ وإنكسارات، فكان لكل شخصية في الرواية طابعها الفردي الخاص وتتقاطع مع الشخصيات الأخرى بالحنين إلى وطن لم ينصف عاطفتها، فهي مزيج من تناقضات الحب والحرب واللجوء والأمل والنجاة والموت.

سرّ آخر كان يدفعني للاستمرار .. الإنتماء للنفس وما تحمله في داخلها..
من حقنا أن ننتمي إلى أنفسنا.. لمن ننتمي إن لم يكن انتماءنا الأول لذواتنا.

كتاباتي

لحظة واحدة تكفي!

لحظة واحدة فقط تكفي لإعادة إعمار ما هُدّم في أنفسنا، ولحظة واحدة كافية لهدْم ما اعتقدنا أن أوتاده متينة ولا يمكن فك وثاقها، قد تكون لحظة فُرضت علينا أو كلمة أو خياراً مَضْينا به أو قراراً كان حاسماً بقدر التغيير الذي أحدثته اللحظة ذاتها، هناك أشياء تحدث لتحدث، تشبه بسرعتها وغفلتها، الموت والولادة، فاصِلة بمرورها ما قبلها عمّا بعدها، ذلك ما يجعل المواقف الكبيرة على امتداد زمانها في ذاكرتنا “لحظة فارقة” نحملها وزراً أثقل من الألم الذي أُختزل فيها وتبقى بعدها تنخر الذاكرة بوجعها المضني على أنها “لحظة”، مخلفة وراءها زمنها الحقيقي.

هناك لحظات توقع بنا في شرك ظروفها، تشبه تلك اللحظة التي تجاهل الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون رسالة وصلته من رجل فيتنامي يدعى “هو تشي منه” والذي كان يطمح حينها بمقابلة الرئيس ويلسون ويحمل خطاباً معتدلاً بأحلامه الكبيرة بوطن مستقل عن فرنسا، متلمساً تعاطف ويلسون لقضيته، لكن تجاهل ويلسون جعل “هو تشي” يترجل عن اعتداله ويعتلي جنون حرب العصابات ويؤسس الحزب الشيوعي الفيتنامي، وشطرت الحرب فيتنام إلى شطرين، ليصبح هو تشي الرئيس الأول لفيتنام الشمالية، وحين فشلت فرنسا في السيطرة على الثوار الفيتناميين طلبت المساعدة من الولايات المتحدة، لُيقتل إثرها ما يقارب ستين ألف أمريكي في حربهم الدموية مع فيتنام، أكان يدري ويلسون أن تلك اللحظة التي تجاهل بها رسالة “هو تشي منه” أنه يمضي نحو الحرب الفيتنامية.!

النفط بكل شروره ليس إلا انقلاب اللحظة علينا، كحين تحول البحث عن الملح إلى لعنة ومصدر للحرب والموت بدلاً من كونه مصدراً للنِعَم، تلك اللحظة التي وجد العمال خلال بحثهم في آبار الملح سائلاً أسوداً واكتشف باحث وصيدلي أن بتكرار السائل المُكتشف يمكن استخدامه في الإضاءة بدلاً من الشموع، وبعدها أضاءت الأبحاث نيران الحروب للسيطرة على الذهب الأسود، وقُلبت أحوال دول ما كانت إلا غباراً على خارطة الاقتصاد لولا أنّ سطح أرضها يدفن في جوفه كنوزاً قادرة على قلب موازين الكون.

هناك أحداث فاصلة لكنها ليست سوى لحظات، كلحظةٍ عاطفةٍ عابرة وربما باردة، لكن أثرها حار كنارٍ لا تخمد، أيعلم الجندي البريطاني هنري تاندي أنه في اللحظة التي قرر أن يعفو عن جندي ألماني جريح أمامه وهو على وشك إطلاق رصاصته القاتلة نحوه أنه كان بعفوه يقتل الملايين؟ وأن الحياة التي منحها للجندي الألماني المصاب هي الممات الذي يتكئ عليه اليوم بعض الصهاينة في قتلنا انتقاماً من الهولوكوست ليتعاطف العالم معهم ويجعل منهم كياناً يملك قوة تكفي لتدمير الكرة الأرضية؟ فذلك الجندي الألماني المصاب هو أدولف هتلر الذي قتل على يده ستة ملايين يهودي في المحرقة، ذهب هتلر ومن عفى عنه وبقيت اللحظة تتدفق آثارها بقوة نحونا حتى الآن.

الأمثلة الكبيرة ليست سوى بعضٌ لما يمكن أن يحدث معنا كل يوم، هناك ثقل نعجز عن حمله ثم تأتي كلمة واحدة لتخفيه كأنه لم يكن، وهناك فرح فائض قد يجف في ثوان معدودة.. بعض اللحظات لا تمضي.. لا يمكن لها العبور، تخيط لها مكاناً وزماناً في حياتنا لتصبح وجوداً حقيقياً تُلزمنا على قبولها، لحظات لا تنطفئ، كساعة من تراب ,آخر ذرة من ترابها تسقط مع نهاية العمر.

كتاباتي

عبء الرجل الأبيض وعقدة العربي الأسمر

يبدو أن عبء الرجل الأبيض تعدّى مفهومه السياسي العنصري على اتساعه و تجاوز تأثيره القديم وما نتج عنه من حروب واستبداد مردها تميُّز وترفع العنصر الآري عن غيره من الأجناس البشرية منذ القرن التاسع عشر، وكأنه بفعل الزمن وسع نطاقه بحيث أصبح أيدولوجيا اجتماعية ضيقة الأفق عند البعض كرغبة لممارسة سطوة التحكم بالآخر، وكأننا خلقنا نحمل انتماءاً ذاتياً لما يشبهنا حد التوأمة ونرفض الاختلاف لوناً أو شكلاً أو فكراً.

رغبتنا الفطرية بالإنتماء إلى مجموعة ليست حديثة، منذ آلاف السنين راحت الجماعات الإنسانية تتجاذب وتتعارف وتلتقي بما يشترك بينها وبذلك نشأت القبائل، حينها كانت تشترك الجماعات باللغة والمعرفة والمهنة وبالطبائع والأصول، وبالشكل واللون وحتى بالأحلام والهموم والحروب والأساطير والخرافات، ولا شك نتيجة لذلك خلقت الأعراف التي ما زال بعضها مترسباً في داخلنا ويأبى الإندثار. وعلى الرغم من سلامة الفطرة الإنسانية التي قادتنا إلى التجمع والإلتقاء ظهرت الأنساب والأصول وما لحقها من التفاخر بما تشترك به الجماعة الواحدة ويميزها عن الجماعة الأخرى. فكان العربي قديماً يؤمن إيماناً مطلقاً بأنه الأفضل وأن من يخالفه بعروبته أدنى منه أصلاً ومعرفة ولا يمكن أن يجاريه مكانة إلا عربي مثله، بينما اجتمع الأوروبيون على لغتهم اللاتينية ولونهم الأبيض الذي ارتقوا به على سائر البشر كما كان اعتقادهم وكأنهم نوع خاص من البشر لهم فكر أفضل وأحقية بالوجود، فصارت رسالة الرجل الأبيض أو عبء الرجل الأبيض حالة عنصرية بذاتها نمت جغرافياً وزمانياً بحيث أصبحت مبرراً استعمارياً كون الدول التي تنتمي لرسالة الرجل الأبيض -كما لو كانت رسالة من الإله- لها الأفضلية ولا تبلغ الدول الأخرى مبلغها من القدرة والمعرفة والدراية وانتهى بنا الأمر تابعين لاستعمارهم على أشكاله المختلفة حتى أحدثها الذي يأخذ شكلاً اقتصادياً ومعرفياً مدمراً لماضينا وهادماً لحضارتنا.

اليوم يعيش العربي في سديم فكري وتوجهي متناقض لا ثوابت له، لا يعلم إن كان يتبع نفسه أو غيره، ولا يدرك إلى أي حدود تسيِّره سطوة الإحتلال العقائدي واللغوي والإجتماعي فقد احتل الغرب داخلنا وتملّكه بدعوى خفية وصامتة بالإرتقاء والسمو، ولم نعد نتفاخر بشيء نملكه بل بأشياء نتبعها وننساق خلفها كما لو أننا نعبر نفقاً معتم آخره بريق مبهم لكنه مثير.

ما يشبههنا اليوم مختلف عما كان يشبهنا بالماضي وبمعنى أدق ما يجمعنا اليوم هو الذي اختلف، فلم تعد اللغة أو الدين أو الجغرافيا تجمعنا بل لم نعد ندرك ما يجمعنا أو يفرقنا على وجه التحديد، لأن ثقافتنا أصبحت محصلة لعدة ثقافات وفقدت أصالتها، جزء كبير منا ينتمي للغرب لغة وعلماً وثقافة إنتماءاً أعمى، وجزء آخر وهو الأخطر رافض للحداثة والغرب كالنقيض حد التطرف، قلة فقط تحاول أن تُبْقي على موروثها وأن تنهل من خيرات الغرب العلمية لخلق حالة متوازنة من إنسان بملامح عربية ولسان عربي وفكر يجمع الغرب والشرق بعقلانية وانفتاح ذكي.

نحن أمة تخلت عن نفسها في المقام الأول، مساحة تقاربنا أصبحت ضيقة جداً، الحرب غدت علمية والثورة تكنولوجية وآثارها مادية ونفسية، الغرب ما زال بثورته العلمية يدَّعي التفوق على باقي الشعوب، هم يؤمنون بأنفسهم ونحن نؤمن بهم ونثق بتفوقهم، رغم آلاف المبدعين العرب الذي يعود تفوقهم لقدراتهم بالدرجة الأولى وللتفوق الذاتي والفردي للإنسان، خساراتنا المرهقة محت ثقتنا بعروبتنا بماضينا وحاضرنا، وأما من يعترف بأصالة عروبته فهو كالقابض على جمر ماضيه.

كتاباتي

عبودية المال

لكأننا ننتقل بين عبودية وأخرى يختلف الظاهر لا شيء سواه، الجوهر العميق هو ذاته، وإن لم نلحظ الأمر، فحبكة الأحداث متقنة بحيث تفرز من جعبة الواقع أسماءاً وألقاباً براقة، لن أدَّعي بأنها مزيفة لكنها تتزين بما يريح نفوسنا فنعيش بفوضى وهجها اللاذع، ونخطئ حين تمتلكنا فوضانا ولا نملك حق القبض على ضياعنا في شِركها.

صحيح أن العمل واجب انساني، نتكئ عليه ليسندنا على أعمدة الحياة الهشة، لكنه أضحى معركةً للوجود، وغايةً أكثر من كونه وسيلة. قديماً في زمن الرق كانت الحروب تسعى لإنهائه لامتلاك الحرية كحق إنساني أوليّ، حينها كان امتلاك الإنسان لانسان آخر وتسخيره للعمل ظاهرة استحقت أرواحاً وحروباً لتتلاشي، لكنّا ما لبثنا أن سلَّمنا أنفسنا عن طيب خاطر لظواهر أخرى لا حرب يمكنها ازاحتها لاننا مفتونون بها، وأضحينا ثوّاراً ضد أنفسنا لا من أجلها، وانصهرنا في نسيجٍ ماديٍ خانق، ومملوكين بإرادتنا الكاملة لمفردات مختلفة، العمل، الثروة، المال، المناصب، وجميعها ليست الا رق محدَّث، عُدِّل ليصبح صالحاً لزماننا.

نخطئ إذ نظن أن العمل وما يلحقه من مال وحده يصنع لنا عالمنا الخاص أو يخلق لنا حياة نملكها منذ التقطنا أنفاسنا الأولى، ووَهْمٌ كبير نعيشه في فقاعة غليظة، فالعمل يصلح لأن يكون نتيجة حتمية نتمكن من الحصول عليها بعد سنوات علم طويلة، نوثِّق خلاله ما نما وتخمر من أفكار وخيال في عقولنا ليصبح حقيقة، وبه نتمرس صناعة الحياة، ويفتح لنا جبهات تواصل على عوالم وظروف أخرى، لم نكن على دراية بها من قبل، وهو جسر عبور لثقافاتٍ ولغاتٍ وخبراتٍ، وسَفر روحي عميق المطاف، ولو لم يكن الأمر كذلك لبقينا في رقعة بالية لا تطأها الحداثة.

لكن، هناك من يتناسى كون العمل جزءاً من حياته، يحتاج اليه ليمهِّد جوانب أخرى من الحياة، وكأنه تحوَّل الى كائن بلا خيار، أو لعلّه كائن رافض لأن يختار، حاصره طموحه بأفق لا محدود، فغاب في زحام الأرقام وسراب الألقاب، وراح يكافح بتوكيد كينونته في الغياب أكثر من الوجود.

لا أميل الى تكرار مفهوم العمل المأجور ورأس المال، فقد تركت الأمر لماركس الذي ألّف ما يكفي من الكتب وألقى ما يفوقها عدداً من المحاضرات، وللثورات العمالية وللصراع بين الرأسماليين والشيوعيين وما نتج عنه من مناظرات ما زالت شعلتها ملتهبة الى هذا اليوم، بل أميل إلى تأمل أولئك الذين يستعبدهم العمل والمال بحيث لا يعرفون من الحياة شيئاً آخر سواه، أيكونوا فقدوا شغفهم نحو الحياة، أم فهموا أنه هو الحياة بذاتها؟

عالم الأعمال يشوبه ما يشبه الإدمان، كثيرون من أصحابه يهجرون الحياة طمعاً بمؤشر الأرقام الذي يتصاعد في حساباتهم، متصوفون في دنيا المال، وكلما حققوا رقماً جديداً بدأوا بانتظار ما يزيد أرصدتهم، حتى أنهم يرون الأشياء بأرقامها لا بمعانيها وآثارها، كيف ينجوا هؤلاء من حمَّى الأرقام؟

بيل غيتس صاحب اللقب الأكثر بريقاً، كونه “الرجل الأغنى في العالم” وإن كان قد أمضى حياته بين أضخم الأرقام وأعلاها قرر أن يهب لأولاده حياة من بعده بعيدة عن ملياراته بحيث لا يورثهم ثروته ليتسنى لهم اكتشاف الحياة دون غطاء ملياراته السحري، وهو النهج الذي اقتدى به جاك ما فقرر أن يترك اللعب بملياراته الأربعين، حتى يتفرغ لما يشغل به شغفه وهو العمل الخيري في مجال التعليم. أحد أغنياء النرويج تبرع بثروته، لتمويل سفينة أبحاث علمية من شأنها التوصل إلى حل لتنظيف المحيطات من البلاستيك، وهو الذي بدأ حياته كصائد أسماك. أهو شيء من اليقظة ألهمهم أخيراً ليكون لهم وجود آخر أرقّ من جولات الأرقام.

البعض بحاجة لكاشف حياة، حتى لا يكون المال أو مرادفاته المادية الفارق الوحيد بين عبوديتنا القديمة وما طرأ عليها من تحديث، فنحن نرتقي بأنفسنا حين نهذب خطوات الزمن وهي تجري على حافة أعمارنا.

كتاباتي

“عندما يختلف اللصوص تظهر الحقيقة”

بعض الحقائق لا نراها رغم وضوحها، نُخفي رؤوسنا في حضن أحداثٍ أكثر قبحاً من الحقيقة ذاتها فتغيب عنا لسنوات، وربما لعقود أو قرون. هكذا هي الحقائق مكرها في وضوحها الخفي.

اجتهد الكثير من كتاب التاريخ السياسي لربط الأحداث ووضعها في قالب يسهل علينا فهمه، منهم من ينسب مصائب الكون وحروبه وثوراته للحركات العالمية مثل الصهيونية السياسية، والشيوعية، والنازية، والحركة الثورية العالمية، والماسونية، وجميعها مرادفات لرؤية واحدة، ويأتي ذلك كله في سياق يبدو مدهشاً للوهلة الأولى ثمّ يتضح أنّ كثيراً من الروايات كانت مكشوفة لمن أراد أن يُبصرها وأن ما اتضح لاحقاً مجرد تفاصيل تثير شعلة الحقيقة ليس أكثر، بعض كتاب التاريخ السياسي يَسلُم إثر اجتهاده، وبعضهم يتم اغتيالهم وذنبهم الكبير وضع الحقيقة في مسارها، ربما اختلف قليلاً مع فكرة نسب كل الأحداث للمؤامرة الكونية، لكن شيئاً واحداً علينا أن نتفق عليه أن التاريخ يكرر نفسه وإنْ اختلف أشخاصه وزمانه ومكانه.

الثورة الفرنسية مخطط مكرر
تُرجع الكتب والتحليلات الاقتصادية والتاريخية السبب وراءها إلى مخطط مدروس نفذ ببراعة لإشعال الثورة الفرنسية، وكان يهدف الى المناورة بثروات #فرنسا وبالتالي خلق ظروف اقتصادية خانقة للشعب تدفعه إلى الثورة على أن يتحمل البلاط الملكي ممثلاً بالملك والنبلاء حوله المسؤولية وفي الوقت ذاته يندس مجموعة من المحرضين ليبثوا شحنات من الكراهية بين أفراد الشعب لتشيع مشاعر الانتقام من الحكام. وهو ما حدث بالفعل.

وبحسب الروايات أن مايلر روتشيلد (ابن عائلة روتشيلد اليهودية الألمانية المصرفية التي كانت على مقدرة مالية لتمويل الدول والثورات) ألقى ذات مرة خطاباً كشف فيه خطته، وقال فيه: ”لأن الناس تميل إلى الشر فالوسيلة الأفضل للحصول على نتائج سريعة هي استعمال العنف والارهاب وليس المفاوضات“، وكشف كيف تم تنظيم الثورة الإنكليزية مسبقاً وكيف عليهم تفادي الأخطاء التي أُرتكبت آنذاك.

ماري انطوانيت والمقصلة وعقد الجوهر
سمعتها السيئة، خياناتها المتكررة لزوجها مع أصدقائه، وصورتها الراسخة كامرأة لعوب وغير آبهة بالشعب وهمومه هي صورة نمطية تبناها كثير من رواة التاريخ ودارسيه، لكن العديد من الكتب أنصفتها لاحقاً، على أن ذلك ليس الا جزءاً من حملة تشهير مقصدها جعل الشعب يطالب برأسها بعد قيام الثورة، وقضية عقد الجوهر من أشهر القصص التي أثيرت، ففي الوقت التي كانت تعاني فيه خزينة الدولة الفرنسية الأمرين، حمل أحد العملاء طلباً مزواً من انطوانيت إلى جوهري البلاط الملكي بصناعة عقد يقدر ثمنه بربع مليون ليرة فرنسية، وحين قدمه اليها الصائغ نفت أن تكون قد طلبته لكن القصص حوله كانت قد انتشرت وزاد غرق انطوانيت في وحل الغضب عليها.

ضريبة الشاي
بينما يؤكد المؤرخون أنّ سبب الثورة الأميركية على انكلترا هو اقرار “ضريبة الشاي” على المستعمرات الأميركية حتى سمُيّت ثورة عام 1779 بثورة الشاي، إلا أن بينجامين فرانكلين أحد أهم مؤسسي الولايات الأميركية اعترف بأنّ السبب الحقيقي وراء الثورة هو مصادرة من بريطانيا حق إصدار النقد من الولايات المتحدة، فأدى الى انتشار البطالة وخلق أزمة مالية أدت إلى نشوب ثورة انتهت باستقلال الولايات المتحدة وازدياد الدين القومي في بريطانيا وبالتالي إضعاف الامبراطورية البريطانية وهو الهدف الأهم وراء اشعال الثورة.

قبيل الثورة الروسية
في نهاية ثورة 1905 تولى رئيس الوزراء ستالين حملة اصلاحات كبيرة، وقام بإصدار “قوانين ستولين” التي منحت حينها حقوقاً مدنية للفلاحين الذين كانوا يشكلون غالبية الشعب الروسي، وكنتيجة للإصلاحات صار بمستطاع الفلاحين شراء وامتلاك الأراضي. ومع ذلك نهاية ستولين كانت اغتيال أكبر وزير مصلح عرفته روسيا، لأن الاصلاح ليس المطلب الحقيقي لدعاة الثورة وإنما احتكار السلطة.

ما أرمي إليه أن القصص على مر التاريخ متشابهة، والأمثلة لا تنتهي، الثورات، والانقلابات، والأزمات الاقتصادية، والحصار، وبدايات الحكم، ونهايات الحكّام، أليس لنا في ذلك كله عبرة؟ أم أننا سننتظر لصوص زماننا ليختلفوا فتُكْتب الحقيقة على ألواح الحسرات، بالرغم من أن بعضهم قد اختلف فعلاً وكُشِف مستورهم، ألا تكفي العراق واليمن وأفغانستان، كما أن التاريخ بمجمله يروي الحاضر والمستقبل.

كتاباتي

من يهزم جذور الزيتون؟

من يهزم جذور الزيتون!

منذ أسابيع شاهدت فيلماً وثائقياً يعرض الانتهاكات التي يتعرض لها سكان احدى القرى شمال الضفة الغربية في فلسطين ويوضّح مدى أثر بناء جدار الفصل العنصري ويعرّج في كثير من مشاهده إلى المقاومة الشعبية السلمية لسكان القرية. في أحد مشاهده كان الفيلم التسجيلي يوثّق شهادة سكان القرية ومدى ارتباطهم بالأرض وبأشجار الزيتون والبرتقال التي ورثوها عن أجدادهم وكيف قاموا بزيادة أعداد الأشجار المثمرة على مساحات أكبر من أراضيهم، إلى أن رصد الفيلم في مشهد آخر قوات الاحتلال وهي تقتلع أشجار تاريخهم المثمر لتبسط بجرافاتها مساحات جديدة لمستوطناتها، وبينما كانت تتنقل الكاميرا بين بكاء نساء القرية ودهشة رجالها كانت مجموعة من الأطفال يهتفون ويشيرون بحماس بالغ إلى أنهم وجدوا ضالتهم التي انشغلوا بها خلال بكاء أمهاتهم وسط حصار الأشجار الممدة بثمارها كركام ثقيل وجنود الاحتلال المدججين ببنادقهم، وآبائهم الذين يحاولون لملمة إرثهم ورثاء ماضيهم المسجى بعواطفهم ليُدفن حياً حاملاً ثماره، أما الأطفال فكانوا فرحين يهتفون بأنهم وجدوا جذور شجرة زيتون ضاربة في الأرض. وكما ترك الأطفال الدمار ولحقوا الحياة في جذور الزيتون تركتُ أنفاس الحضور المشدوهة ثملة بالوجع معلقة على مشهد الدمار ذاته، ولحقت قدرة أولئك الأطفال على اصطياد الأمل من عمق الظلام.

تستهويني تلك العبر والمشاهد وتثقلني بالهواجس والأفكار فأغادرها محملة بمعانيها، ذلك أننا نتكئ على الفزع كلما رشقتنا التجربة بنارها فهو حجتنا الواهية، ويرمينا في نهايات حالكة نعانق الخوف ونستجدي الانتظار بعد أن نحكم اغلاق فسحات متناثرة في جدران أحزاننا كانت لتسمح بتسرب بعض الأمل، ليس بإمكان الأمل أن يعرّف عن نفسه وكأنه يخط وجوده على لوح كبير أنه مازال موجوداً وعليكم فقط أن تبحثوا عنه، بعضنا خُلق ليقاوم، ليبحث عن مرادفات للحياة في كل عثراته، ليعيش بطولته المطلقة ويمارس إيمانه العميق، إيمانه بنفسه، بذاتٍ جسورةٍ، وحده يعرف قوتها، يبحث عن مراده المختلط بالرماد. أولئك بمقدورهم أن يصنعوا أسطورة بقائهم حين تلهو الحياة بهم بقسوةٍ لا يجرؤون على توقعها في اختبار جديد لوجودهم.

يتبنى المتفائلون نظرية الكأس الممتلئ ويتهمون المتشائمين بأنهم لا يروون سوى النصف الفارغ من الكأس، لم يحدث أن اختبرت نفسي في كأس الماء فقد سمعت في صغري عن النظرية الكاملة مع شقيّها فرأيت الكأس بنصفيه الممتلئ والفراغ، لكني أحاول تمرّس الإصرار كلما تعثرت فلا شيئ غيره يعفر أنف الهزيمة لتبتعد بظلها عني؛ الإصرار ممارسة إيمانك بذاتك ليس أكثر.

معظمكم سمع قصة المزارع الذي باع مزرعته ليرحل الى دولة أخرى ويمارس مهنته في أرض أخرى حين ذاع صيت بأنّ البلاد التي سيرحل اليها أراضيها خصبة للغاية ويجني منها المزارعين ما لا يجنيه في بلاده، لكنه تفاجئ حين اتضّح أنّ أرضه الجديدة مليئة بالأفاعي وغير صالحة للزراعة، فلم يرَ ذلك المزارع نص كأس ممتلئاً لأنه كان مشغولاً بكأس تطفو منها الكنوز فعرف كيف يناور فحيح الأفاعي ويحوّل سمومها الى أمصال ولقاحات طبيعية فحوّل محصول أرضه إلى تجارة تجاوزت أفق أحلامه.

من منكم باستطاعته أنْ يلمح كنزاً مختبئاً وراء سم أفعى؟ الهزيمة ليست في مواجهة العقبات بل في مواجهتنا لأنفسنا.

هناك من باستطاعته أن يرى قطرة ماء منسية في قاع كأس بدا للجميع فارغاً.

أهناك من  باستطاعته أن يهزم جذور الزيتون حين يبحث عنها طفل يرى الحياة في جذر صغير؟

لا أحد

كتاباتي

رجل صالح للطلاق

يحدث وأنتِ تسندين رأسك على كتف رجل وترمين ثقل أفكارك وهمومك على مسامعه لأعوام طويلة، وتمارسين دوراً وردياً حلمتِ به سنوات طفولتك وشبابك المبكّر، ثم مارستيه بحب في نضجك وذوّبتي هفواته بقلبٍ أتقن محو الذنوب، أن ينقلب دفء الكتف الذي كنت إليه تستندين؛ إلى جمرٍ تعجزين عن مداواة حروقه وتشوهاته الضاربة في عقر عاطفتك. كما يحدث أن يصبح الجنون واقعاً عادياً.

كنت أقلِّب ذاكرتي وأفتش في حجراتها التي تحتفظ عادةً برواياتٍ قديمةٍ تبقى نائمة حتى يأتي حدثاً جديداً يوقظها، وأيقظتها قصة سيدة انقلبت حياتها إلى سعي وراء حقوق كانت تعتبرها أساسية، حين قرر زوجها وضع حد لحياتهما المشتركة بالطلاق. صدمتها لم تكن بانهيار زواجها لقرار لم يشاركها به، بل بزوجٍ كانت سنده وظنته سندها على مدى عشر سنوات، حوّله قرار تلاه لها ببضع كلمات حاسمة إلى غريبٍ يطالبها بترك منزله والانسحاب من حياته بعد أن تلملم أثر سنواتها معه، لأنه يرغب في حياة لا مكان لذكراها فيه. ولم أجد خلال بحثي في ذاكرتي، قصة طلاق عربية تمت وهي تراعي الحد الأدنى من إنصاف المرأة، التي تصبح في لحظات كائناً من أسئلة حائرة لا تملك إجابات لها ولا يملك هو ما يشفي دهشتها، وقد غدا كل منهما على قمة جبل وراح الوادي بينهما يتصدّع أكثر عند طرح أي سؤال لأنّ الحقيقة التي تظهر في لحظة تخفي ركاماً من خفايا كانت غير مرئية.

صحيح أنّ الخطوة الأولى نحو الطلاق، الزواج! كما قال الراحل أنيس منصور يوماً. فالطريق الممهد بالوعود والمفروش بباقات من أحلام انتهت بالزواج ليس ذاته الطريق الذي يسلكه الرجل عند الطلاق. لا أتوقّع بالطبع أن يكون الطريق المؤدي إلى الطلاق كما هو في الزواج، لكن الرجل القادر على قطع الوعود والإيفاء بها في زواجه والالتزام بمسؤولياته اتجاه زوجته، ألا يجدر به أن يكون أكثر إنسانية بوعوده والتزامه نحو سيدة كانت قبل طلاقه شريكة لحظاته كلها، بدلاً من أن تحطمها رياح قراراته. لأنّ الرجل غالباً يمضي في حياته بعد الطلاق كأنّ الجزء الطويل الذي كانت بطلته لم يكن يوماً، بينما تختزل المرأة جلّ حياتها في سنواتها معه.

أتفكّر المرأة في مرحلة الحب كيف سيكون سلوك رجلها إذا أراد أحدهما الطلاق؟ كما تفيد شواهد الحياة حولنا سينقلب الزوجين إلى متصارعين على حلبة عواطف مشحونة بالمفاجآت. وجواب السؤال، “لا”، لا تبحث المرأة عن رجل صالح للطلاق كما تبحث عنه للزواج، رجل ينصف ماضيه معها، ويحترم فشل العلاقة الزوجية على أن تبقى إنسانية، فهذه الصورة تبدو فانتازيا شبه مستحيلة.

النهايات الحزينة ليست قصص الحب التي لا تنتهي بالزواج، ولا حتى الزواج الذي ينتهي بالطلاق، فتلك النهايات بدايات مجردة باستطاعتها أن تغادر رواسبها وتتخلى مع الوقت عمّا علق بها، وتنسى ماضيها بلا أثر، بل هي تلك النهايات التي تولد بها شخصيات دفينة لم نكن لنعرف وجهها القاسي لولا النهاية، والتي تسقط الزوجين من سماء الحب إلى هوة الصراع.

القانون، والعادات، والثقافة السائدة، والموروث، جميعها مرادفات لهدر حقوق المرأة، ليس غريباً إذاً أن يكون الطلاق وحشاً صامتاً تهاب المرأة طيفه إن حام حولها.

عيشي حياتك كما لو كان السلام عطرك، واحتفظي بأسلحة الحياة كما لو أنّ صفارة الحرب تنذرك بوقوعها، فنحن نعيش عالماً يقطر خيالاً أكثر من كونه واقعياً.

كتاباتي

الحيلة شريعتنا الأولى

خدعونا حين علمونا أن الحرب خدعة، كان الأجدر بهم أن يعملونا أن الحياة خدعة، والأجدر بنا ألا نصدق شيئاً.

لسبب ما تحكمنا الحيلة، منذ بدأ الانسان اكتشاف ذاته، ثم تجاوزها للتواصل مع الآخر، بدأت حربه النفسية بالنضوج وأخذ صراعه مع ذاته يعظم، كان عليه أن يتوازن بينما داخله مليء بصراعات حية، وليحمي وجوده راح يحتال على نفسه ليقيها من شرورها، ويتصدى لهزائمه، فالهزيمة باب واحد؛ أن ترى الحقيقة كما هي، نحن ننتصر على الحياة بانتصارنا عل أنفسنا. هكذا بنى الإنسان منا كائناً يدافع عن نفسه من هجمات الحياة بالحيلة، وسماها علماء ميكانيزمات الدفاع، ولفرط قسوة الحقيقة المجردة صار يرى في كل شيء الصورة الأقرب إلى قلبه، لكأن ثمة إجماع لدى الناس على تهذيب الحياة لتصبح ممكنة. تقول احدى الدراسات إنّ عقولنا تعمل باستمرار بوعي ودون وعي، على تجاهل الكثير من الأمور التي تكدر حياتنا وتسعى لتجميل العديد من المواقف والأشياء بفعل أنظمة أدمغتنا القادرة على استعمال الحيلة للدفاع عن حقنا المشروع في ممارسة الحياة.

لنكن واقعيين، نحن نمارس الحيلة طوال الوقت، فحتى العناوين التي تتصدر سبل وطرق ترويض المشكلات معظمها قائمة على فنون ممارسة الحيلة، وإن لم يتم الإشارة إلى الحيلة بصورة صريحة، ويسري الأمر ذاته على عواطفنا وعلاقة العمل مع الزملاء والمدراء، وبالتأكيد تبدأ من علاقة الشخص بنفسه، ولتستحق الحيلة تقديراً أكبر، مُنحت أسماءاً مرادفة كفن التأثير على الآخر وعلى الذات.

وبفن التأثير ذاته شرع حمورابي ٢٨٢ قانوناً تضمنت معظم جوانب الحياة حتى أنه كان أول من وضع حداً أدنى لأجور العمال، “في ذلك الوقت .. نادتني الآلهه، أنا حمورابي، الخادم الذي سرّت من أعماله، والذي كان عوناً لشعبه في الشدائد، والذي أفاء عليه الثروة والوفرة، أنا أمنع الأقوياء أن يظلموا الضعفاء، وأرعى مصالح الخلق”. لا يمكنني إنكار قوة حمورابي وتفوقه وتاريخه الحافل، لكنه بسط نفوذه أيضاً بفعل ربط ذاته بالآلهة ليعطي شرعية أقوى وهو ما بدأ به شريعته، لعل الفارق بينه وبين غيره من الملوك في ذلك العصر كما يروى أنه وصف نفسه خليلاً للآلهة ولم يجعل من نفسه إلهاً، ثم عاد وأكد بحيلة نفسية أخرى على جبروته حين سنّ قانوناً جزائياً وحشياً الى حد بعيد، متبعاً نهج انشر الذعر لتحصل على ما تريد.

وبفن التأثير، أو الحيلة، أو المؤامرة، كما شئت أن تسميها، حيكت كبرى المكائد السياسية والحربية والاقتصادية، لا شيء منها طرح على طاولة الحقيقة المطلقة جميعها أخذت أشكالاً وأسماءاً أخرى، أحد الكتب الذي يروي تاريخ الصهيونية، ذكر كيف أنه في الوقت ذاته الذي كان يكتب فيه ماركس البيان الشيوعي تحت إشراف مجموعة تُسمى” النورانيين “، كان كارل ريتر يكتب النظرية المعادية للشيوعية تحت أشراف مجموعة أخرى من النورانيين زعماء الصهيونية ،بحيث يتسنى لرؤوس المؤامرة العالمية تفريق الأمم والدول لانقسامهم في معسكريين مختلفين، لما لا فالحيلة فن والحرب فن، ولم يعهد الكون يوماً عاش فيه بسلام.

كان استسلام اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية حتمياً حتى وإن رفضت إعلانه رسمياً وتجاهلت قرار مؤتمر بوتسدام، جميع التقارير والتحليلات السياسية تؤكد أنّ التسليم كان مسألة أيام لا أكثر، لكنه كان حجة لاستعراض أسلحة أمريكا الهمجمية وقدرتها على الدمار الشامل والسريع أمام ستالين الذي كان يطمح بأن يمتلك قنبلة ذرية كالولايات المتحدة، واستعراضها أمام العالم أجمع، حتى وإن كانت تكلفة هذا الاستعراض الهمجي أكثر من مئتي ألف قتيل مدني. وهذا ليس بالشيء الغريب فحرب تحرير العراق من الدكتاتورية كما سمتها أمريكا، هي ذاتها التي حولت العراق الى ما نشهده اليوم، ولم تكن إلا حرب إبادة وتشويه لحضارة تعود الى آلاف السنين من أجل الحصول على النفط وتفكيك المجتمع العراقي ونشر المنظمات الإرهابية.

لم يضحكني خبر مفاده أن شرطياً تايلندياً يتنكر بزي ديناصور من أجل تنظيم حركة السير بعد أن شعر أن هذه الطريقة المبتكرة جعلت المارة والسائقين أكثر انضباطاً، أصبحنا نبتكر الحيلة وننصاع لها، القوانين وحدها لا تكفي، لا شيء بإمكانه أن يضبطنا سوى الحيلة، حتى أني أصبحت على يقين بأننا نؤدي أدوارنا حتى يتسنى للآخرين ممارسة حيلهم علينا إلى أن يأتي قرار افناء أثرنا لأن الحيلة قد تمت.