كتاباتي

فانتازيا المرأة

لمَ لا تكتب المرأة دستورها؟
أليست هي “أم الحياة” ومن سطر التاريخ منذ أول الخلق، وشاركت الرجل بداية العالم وصناعته؟ ألا تملك الحضارات القديمة والحديثة، تلك التي همشت كيانها، متسع من الفطنة لتعترف أن الوجود ذاته ما كان لولا وجودها؟

غالباً ما تتطور الأحداث والمفاهيم لتأخد عمقاً ومعنى أكثر تمدناً، مع قضية المرأة حدث العكس، تخلفنا عن موج التقدم، وخالفنا طبيعة الأشياء، نعيش مع حقوقها المسلوبة وكأننا لا نملك خياراً سوى استضعافها، وتقبَّلنا روتين التخاذل، على مرأى تاريخٍ غير مُعترفٍ إلا بجزءٍ مظلمٍ منه.

شيئ ما قلب نصاب الطبيعة ولم يعدها الى حيث كانت ثم توارثنا مسارها المنحرف، كما توارثنا خطيئة حواء ولعنة الأرض التي رست عليها وما لحقها من أساطير، ولا أعلم أي طبيعة تلك التي جعلت من النساء إماء على حد قول نابليون “إن الطبيعة هي التي جعلت من نسـائنا أمات لنـا “.

في الحضارات الأولى تؤكد آثار الطبيعة ورواسبها على شراكة المرأة والرجل في بناء شكل الحياة ولوازم بقائهما معاً ككيانٍ واحد، بل تفيد دراسات حديثة عن آثار مكتشفة تعود إلى العصر الحجري، على أن الرسومات على جدران كهوف ذلك العصر كانت من عمل النساء وليس الرجال، وجميعها توثق تلك المرحلة وتصف مراحل صيد الحيوانات كجزء من طبيعة الحياة وطرق الحصول على الغذاء وتؤكد الدراسات سيطرة المرأة في ذلك الزمن وقدرتهن على الصيد وما يرافقه من صعوبات، ثم مع تغير الحياة وتقلُّب الحضارات تقاطعت طريقهما على نحو غير شراكتهما الى النقيض وغيّر وجه مساواتهما الفطري. أيمكنكم أن تتخيلوا معي أن يكون ذلك العصر بقدمه وبدائيته أكثر انصافاً لإنسانية المرأة، من القرن الخامس عشر حيث اجتمع الفرنسيون لبحث أمر في غاية الغموض “هل المرأة إنسان أم غير إنسان”؟ وهل تملك روحاً كمقام الروح التي يملكها الرجل؟ ونحمد الله أنّهم أقروا بإنسانيتها، غير أنهم اجتمعوا على أنّ وجودها لخدمة الرجل لا أكثر. ومن الطريف أنهم لم ينكروا دورها في الانجاب وتربية الأطفال، والمضحك أن تنجب المرأة ولداً وتربيه ثم ينتمي الى مجتمع ذكوري ويراها عبدة خلقت لخدمته.

واليوم وقد تعافت المرأة من ظلم وقسوة  أشبه بالخيال، لكنها لم تتعافى بعد بالقدر الكافي والشامل، العديد من الدول ما زالت تعاملها كإنسانٍ ناقص، ولم تزل حرية المرأة مسرحاً واسعاً للجدل، ولا يوجد مفهوم عالمي متفق عليه لحريتها وحقوقها، فرغم اعتماد اتفاقية “سيداو”؛ الخاصة بالقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، في معظم الدول العربية، لكن الكثير من القضايا ما زال البت فيها نسبي بحسب طبيعة البلاد وثقافتها وقوانينها، وبخاصة ما يتعلق بالحضانة، وحرية التنقل، ونقل الجنسية، وجرائم الشرف.

في الديانات القديمة كما تروي الميثولوجيا، كانت الآلهة الأنثى صاحبة سيادة ومصدراً للحكمة، فقد كان الإله “زيوس” إله الحكمة يستمد حكمته من زوجته الآلهة “ميتيس” وهي إلهة الحكمة والقوة والحرب بل وحامية المدينة وقد وصفتها الأساطير بأن لها من الحكمة أكثر مما كان لكل الآلهة مجتمعة. وفي الحضارة الفرعونية اعتلت المرأة عرش الحكم، بل وهناك من اعتلت العرش عنوة كما حدث مع الملكة حتشسبوت حيث حاول الكهنة الوقوف في طريق وصولها الى عرش ورثته واستحقته.

إن كانت المرأة منذ بداية الكون قادرة على صناعة وتلبية ما تحتاجه ويحتاجه الرجل للبقاء، إذاً، لمَ لا تكتب المرأة دستورها، وتضع فيه ما يحميها من القوانين؟

أننجو يوماً من غبن التاريخ و انكسار روايته؟

من المهين أن نتقدم بالحياة وما زلنا نتناول حقوق المرأة في أروقة المؤتمرات والأجدر أن نرتقي أكثر بحقوق الانسان بعيداً عن جنسه، متبعين نهج النبي محمد “إنما النساء شقائق الرجال”.

كتاباتي

سقف الحياة

من الغموض نخرج إلى الحياة، ومن الحياة نرحل إلى الموت، وبين الشكوك نحيا ونتوارى خلف ثِقَل العبث. زحام النقيض يُنصِّب نفسه علينا، لم يعد في وسع الأيام تصدي قذائف الذهول، فلكل فجر نشيده.

بهذا الهوس، تناقل الإعلام مؤخراً حكايا عن الحياة وأخرى عن الموت، تشبه رقص الريح الثائر مع السكون. إحداها عن سيدة يابانية تجاوز عمرها الثمانين اختارت أن ترقص على منصة المسرح قبل أن تلقي خطاباً ألهمت فيه الحضور، وروت خلاله كيف أطلقت بنفسها تطبيقاً الكترونياً للهواتف الذكية يهتم بمهارات التواصل بين كبار السن، تلك السيدة بدأت رحلتها الاستكشافية في عالم التكنولوجيا بعد تقاعدها في عمر الستين، حين امتلكت أول جهاز كمبيوتر وامتلكت به كما تقول عالماً جديداً، جعلها تحلق فوق تلة أحلامها، تلك السيدة التي لا تعرف من الوقت سوى البداية ومن الحياة سوى الوجود، استطاعت أن تفك شيفرة الخلود، وتهزم أرقام العمر بنجاحها.

ويشببها بالنسيان، نسيان الهزيمة، رجل صيني مبتور الساقين، يصل أخيراً الى قمة افرست، بعد عدة محاولات سابقة، وبعد أن كادت القوانين أن تقف أمام حلمه الوشيك، حين صدر قرار بمنع مبتوري الساقين من تسلق جبل ايفرست، ثم ألغى القضاء القرار حتى لا يخلق حالة من التمييز بين الراغبين بالمشاركة. حاصره الإصرار منذ محاولته الأولى قبل أربعين عاماً التي انتهت ببتر ساقيه إثر تعرضه لنقص الأوكسجين بسبب تدني درجات الحرارة، وتكررت بعدها محاولاته حتى وصل الى القمة بظل ساق حفرت نصره علـى تجاعيد الصقيع، وأوجز إصراره ببضع كلمات “تسلّق قمة إيفرست حلمي وعليّ أن أحققه. هو تحد شخصي”.

لكن النصر لا يعني الحياة، فبعض النصر موت، “لست سعيداً، أريد أن أموت، آسف لأنني وصلت إلى هذا العمر”، هكذا برر العالم الاسترالي يفيد غودال قراره بالموت، رغم كل انجازاته العلمية، لأن حياته لم تعد كالسابق وأضحى الضجر رفيق سنواته الأربعة بعد المئة، مورثاً وطنه لوماً كبيراً لأنه لم يجعله يموت على أرضه فالقوانين في بلاده لا تجيز القتل الرحيم، مما اضطره للسفر الى سويسرا، طالباً الموت بحقنة قاتلة على أنغام موسيقى السيمفونية التاسعة لبيتهوفن.

كثيرون تستوقفهم الأرقام لا العبر، تشي لهم الحياة بقلة حيلتها وقصر عمرها، فيتوهون في فضاء العمر، ويمضون خلف خيط رفيع من سراب يائس، هم المحرومون من الحياة رغم حياتهم. أما الناجون من شركها هم الذين يقودون الوجود عند انعطاف دقات الزمن، حتى الموت بامكانهم اعادة تشكيله كلوحة سريالية استثنائية الأبعاد.
الحياة ثقافة فاتنا الكثير من عمق فلسفتها، فقد اعتدنا أن نتلقى السائد والدارج منها لا أكثر، والموت غموض يرمي ظله علينا متى شاء دون إنذار مسبق فيذعرنا ذكره، و ندرة فقط يسعون اليه كتجربة لم تعلمهم اياها الحياة، والأكثر حيرة أولئك الذين يعيشون حياتهم كأنها متسع للموت.

كتاباتي

شيطان اسمه “الوطن”

عرّف ميثاق محكمة نورمبرغ العسكرية الدولية جرائم الحرب أنها انتهاكات قوانين الحرب وأعرافها. ويشمل ذلك قتل المدنيين في أرض محتلة أو إساءة معاملتهم أو إبعادهم، إضافة إلى قتل أسرى الحرب أو إساءة معاملتهم، وقتل الرهائن، وسلب الملكية الخاصة، والتدمير غير الضروري عسكرياً. كان ذلك عام ١٩٤٥، ثم تبنّت هيئة الأمم المتحدة، التعريف ذاته لجرائم الحرب عام ١٩٤٦، أي قبل عامين من تاريخ ولادة السرطان الإسرائيلي ونكبة فلسطين. ومع ذلك تشهد المأساة، ومراقد الشهداء ودموع الأمهات المفجوعات كل يوم كيف يجري شقّ رفات الإنسانية قبل القوانين في أرض فلسطين المحتلة، وكأنّ تلك المعاني والنصوص لا تشمل شعباً جُرِّدَ من حقِّه في العيش بسلام على أرضه، وأصبح وجوده على امتداد سنوات النكبة عبئاً تحتار الأنظمة العربية كيف تتهاون في حقه في سبيل مصالحها، لينمو في المقابل الكيان الصهيوني السام في تربة خصَّبها التهاون العربي المهين، حيث صوت العروبة متأرجحٌ بين الصمت أو الاستنكار بعبارات أكثر خذلاناً من الصمت نفسه.

قديماً، كانت صور الحرب وفظائعها نادرة، وكانت الكاميرا تتصيد بفعل بالمصادفة لحظة تعجز عن حملها عين المصور وحدها، فتوثقها الصورة لتحيا اللحظة وتجمع فيها ما تبقى من ألم في معانيها، وقتها، كان يكرم المصور الذي عاش الحرب كما يكرم الجندي المحارب، فهو أصيب في ذاكرته اصابة لا شفاء منها. وتقديراً للذكرى طُبِعت كثير من الكتب التي تستعرض صور الحرب في أغلب مدن العالم، وكثيراً ما حملتها جدران المتحاف. أما اليوم، أصبح الموت صورة عابرة يكررها الإعلام كل يوم عشرات المرات.

قبل سنوات زار جارنا قريته في فلسطين بعد ستين عاماً من تهجيره، قد لا يكون غريباً أن يتأخر أحدهم عن العودة ستين عاماً إلى موطنه، الغريب، أنه قصد منزل شقيقته في إحدى قرى نابلس، دون أن يسأل أحد عن مقصده، قادته ذاكرته إلى حيّه، مشى شوارع تجاوز عمرها الستة عقود في ذاكرة رجل في الثمانين، الذاكرة الفلسطينية أسطورة كأبنائها، سبعون عاماً من النكبة، وما لحقها من نكبات، لم تهزم إصرار شعب، فلا وقت لغير الكرامة؛ آخر ما تبقى من كرامة عروبتنا.

ثمة شيطان اسمه “الوطن” يعيش فيهم، يمتص الخنوع ويعيد وسواس بقائه أولوية حياتهم وسبب وجودهم، يهربون من شرك الخذلان ببطولات تقصف الخوف، لم يبق لهم سوى ذات حُرَّة، تدفن موتاها في عتمة الحزن، وتمد يدها لتوسد أحلامها على ظلال الشمس وتنتفض ضد القهر ببنادق من أجسادٍ أنهكتها ذنوب لم تقترفها. قوتها إيمانها الذي يرهب عدوها، وهو ما اعترف به أحد حاخامات إسرائيل كما ورد في كتاب عن “نشأة الصهيونية” حين قال: “إن القوة الروحية التي يبثها الإيمان في نفوس المؤمنين، تبعث فيهم الجرأة على الوقوف في وجهنا”. ورغم الحصار المأساة، فإن الفلسطيني يحيا بين دفتي الأمل والذكريات، فهذه الأرض القادرة على ولادة الأبطال وشحن الذاكرة بتفاصيلها ستنجو بذاتها وبأبنائها ذات يوم.

كتاباتي

ظلال الوطن

كثيرون الذين يحركون الذكريات الراكدة في قاع العمر العكر، ويتصيدون هفوات القدر لتضاف إلى لائحة آلامهم، ويهيمون في شكوك فرضت نفسها عليهم في عصر غريب يتناقض فيه الانسان ووجوده على أرض ينتمي لها، أولئك العالقون في غربتهم بين الأوطان وأشباهها.

من مفارقات الغربة أنها تطرح أسئلتها المرهقة وتستجوب أبناءها عند كل ذكرى، تعيد لهم الوطن؛ صورةً ملحةً على هيئة حنين، ثم تغادر الذكرى كالسراب، حتى تعود ثانية، لتنتفض في الأذهان بمكر، وتغدو لعبة الأسئلة والشك ملهاة لا تنتهي.

ذات يوم همست لي سيدة سورية غادرت بلادها منذ سنوات، بأن كل ما تبقى لها من وطنها، خزانة أدراج خشبية يدوية الصنع، أصرت على نقلها معها حين غادرت حتى يبقى لها في منزلها الجديد أثر يرمز لوطنها، وحين بدأت الحرب أصبحت خزانة الأدراج، تمثالاً ترى فيه ما غفلت عن رؤيته حين كانت زيارة الوطن في متناول قرارها لكن انشغالاتها الكثيرة منعتها، وحين طال القصف مدينة تدمر، تعجبت كيف لم يتسن لها يوماً قطع المسافة من دمشق لتزور تدمر، بينما يحثها أرق الغربة اليوم على قطع المدن والبحار لتراها ولو مرة واحدة، بعد أن تصحو من ركامها. وليس ذلك بالغريب علينا فنحن اعتدنا أن تفقد الأشياء الممكنة أهميتها ثم تغدو على رأس أولوياتنا حين تغدو مستحيلة.

أصبحت الغربة كغيرها من المفاهيم تنتمي إلى مدارس ونظريات ككل شيء في حياتنا، وأضحت قابلة للتأويل وخاضعة للجدال، هناك من يقدمون أنفسهم أدلة على قدرة الانسان على بناء حياته من جديد بعيداً عن ترسبات وطن لم ينصفهم، ويعززون ثقتهم بألق الغربة وفرصها، مستعينين بنجاحات علماء وأدباء عرب وجدوا في غربتهم تربة صالحة لجهودهم ويجزمون بأن بقاءهم في أوطانهم ما كان ليعود عليهم بالنجاح والتقدير الذي وجدوه في بلاد استقبلت ابداعهم بأحضانها، وثرواتها وإمكاناتها. يتبعون بذلك قول أدونيس“كل سلطة لا يستطيع الإنسان في ظلها أن يبدع ويرفض بحرية انما هي عار الانسان وعار التاريخ”. وآخرون يغنون الوطن وينشدون الحنين كل صباح، فاتحين أذرعهم لذكراه ورائحته، يعيشون الوطن بتفاصيله على أرض غريبة، يتأملون من شرفة انتمائهم قول فكتور هوغو “كل صخرة هي حرف وكل بحيرة هي عبارة وكل مدينة هي وقفة، فوق كل مقطع وفوق كل صفحة لي هناك دائما شيء من ظلال السحب أو زبد البحر”.

رغم ما يحمله الوطن وغربته من تناقضات يبقى حالة نابضة تعيش فينا في بعده وقربه، وعلينا أن نقر بأن ما يتحمله الوطن من أزمات تجعله رقعة أرض غير ثابتة، ما الذي يمنعنا من زيارة مدننا تكريماً لوجودها وتاريخها ان أمكن، قبل أن تتحول أمنياتنا نحو زيارة خاطفة الى لحظة قد لا تعود، فالغربة ان كانت قسراً أو اختياراً، تحمّلنا طيف الوطن كظل دائم فمن كان باستطاعته زيارة مدن وقرى وطنه فليفعل، حتى لا تنطوي الرغبة طي منديل يرشح منه الندم، فاليوم حقيقة والغد وهم لا نملك فيه سوى الأمل.

كتاباتي

صفقات على جسد ضئيل

البقاء على قيد الحياة لا يعني البقاء على قيد الإنسانية، هناك أنواعٌ للموت، أكثرها عذاباً حين يبقى المرء حياً بينما يكون داخله ميّتاً، فالموت كما وصفه يوسف إدريس أن ندور في دائرةٍ واحدة مهما كانت تلك الدائرة.

منذ مدة شاهدتُ فيلماً وثائقياً يطرح حجم العنف الذي تتعرض له المرأة في إحدى الدول الإفريقية، معظم النساء المعنفات كما جاء في الوثائقي متزوجات، يتعرضن يومياً للضرب والإهانة والاعتداء الجنسي والجسدي، وحين سئلن عن سبب بقائهن ضمن إطار زواج مهين وآثار كدماتٍ تملأ أجسادهن، اجتمعن على جوابٍ واحدٍ؛ ليس لأي منهن عملاً أو عائلةً تأويهن وتتقبل رغبتهن بالطلاق، وأضفن أنّ السبب الرئيسي لبقائهن هو تأمين قوتهن. هو الغذاء ذاته الذي يقدم لهن على طبق من إذلال وقد يحرمن منه في ليال كثيرة عقاباً على جرأتهن الهزيلة في صد إهانات الزوج الوحشية، فتقضي الواحدة منهن ليلتها تواسي جسدها المتورم على إيقاعات معدة خاوية.

في سوريا مثلاً، لا تكفي مصطلحات كالقتل والتهجير والفقد والفوضى لتصف ما تعاني منه المرأة السورية، فبحسب تقارير الأمم المتحدة، معاناتها ستمتد لأجيالٍ حتى وان توقفت الحرب غداً، بعد أن أذابت الحرب فتات الإنسانية وشوهت فيها الحياة. ففي سبيل حصول المرأة على المساعدات الإنسانية والغذائية التي تقدمها منظمات الإغاثة، داخل سوريا أو في المخيمات؛ قد تتعرض للاعتداء الجنسي من قبل العاملين على تقديم المساعدات، بعض النساء يستسلمن مقابل بقاء وجودهن فوق تراب ابتلع الرحمة، وأخريات يتجنبن الحصول على الغذاء تجنباً لاستغلالهن، رغم أنهن المعيل الوحيد لأطفالهن في حالات كثيرة، ويرفضن مقايضة جسدهن بالغذاء ويبقى الجوع يطاردهن. ويضاف إلى قائمة معاناتهن: الاغتصاب، الزواج الإجباري، وزواج القاصرات. فكلما ازدادت الحاجة تلاشت الإنسانية.

نساء الروهينجا في ميانمار يتفوقن في معاناتهن، فالواقع هناك أقسى من مبالغات الخيال، ويتعدى الاعتداء الجنسي الى تشويه كل ما يرمز إلى أنوثتهن من أجل إنهاء نسلهن وبث الرعب في أرواح تتقصى براً آمناً وجرعة حياة، بعضهن كما تذكر التقارير لم يتجاوزن ستة أعوام وتعرضن للاغتصاب الجماعي والحرق أحياء.

وبعيداً عن ضجيج الحروب، وبالقرب منا، في مجتمعاتنا هناك حروب أخرى كامنة لها الأثر ذاته، وتأخذ شكلاً أُسرياً مبني على القمع والإجبار، وقصص كثيرة يمكن أن تروى عن جسد يقدم مقابل بقائه و غذائه، ونساء يعشن في نفق الخوف تحت حصار الأعراف، وكرامتهن ترقد في جيوب رجالهن.
كثيرات يعشن القمع في بيوتهن منذ فرض عليهن زواج لم يأخذن فيه حتى مهورهن كما سلب رأيهن، يتعرضن للعنف الجسدي، وللخيانة، ويرضخن لأنهن لا يملكن ثمن استقلالهن وقوتهن، فمنذ البداية لم يسمح لهن بإكمال تعليمهن أو العمل، وتصبح الطاعة مكيدة يمارسنها كوجه لحياة فرضت عليهن برغم الرفض الثائر داخلهن ” فالأشياء الخفية تجعلها أضدادها مرئية” كما قال جلال الدين الرومي. والأكثر وجعاً أن القوانين تنافي سببَ وجودها ولا تعدل، وإلى الآن ما زال البعض يحارب تمكين المرأة.

كتاباتي

سعادة مؤقته

لعلنا نتفق على أن السعادة ماكرة، وأن العناق الأكثر حرارة يكون حين نلتقي سعادتنا، نتوهم بقاءها، ويخيب تمني مرافقتها ما تبقى من حياتنا منذ لحظة وصولها. السعادة لم تخلق لترافق لحظاتنا جميعها، هي نقطة تحول نستمد منها طاقة تذيب وهج المصاعب وإحباطاتها، نخطئ حين نسعى لحراستها ولا نتنفس حضورها، حماة السعادة أقلنا حظاً بنعمها.

حملة الإحباطات ترافق خطواتنا ولاتخف وتيرتها، إنما تنضج انفعالاتنا بحيث نصبح أقدر على التكيف معها، تشرف عليها بتمرس صعوبات الحياة حتى ننفق ما تيسر من أيامنا حزناً وتعباً، وتستلذ بما تفرضه علينا ضرائب الأرق، وتجبي أي سعادة عابرة قد تجمل مسيرة قلقنا المنتظم، تنصب لنا الظنون فخاً عميقاً حين تصور لنا السعادة مرحلة أخيرة نصل إليها بعد مشوار حافل بالعثرات، بينما السعادة لحظات مؤقتة تزورنا كل حين.

السعادة كالفصول؛ تخترق الشمس بهالتها ودفئها شتاءنا فنصبح أكثر صبراً على جفافه، وفي ليلة صيفية ترخي الحرارة درجاتها حتى يختلط علينا الصيف بليالي الخريف؛ السعادة فرصة بين خليط من الإخفاقات، هي لا تعلن عن نفسها، يكفي أن تسمع ضربات قلبك المحفزة لتعيش حضورها الماكر.

هناك من يأبى فتح أبوابه للسعادة ظناً منه أن المباهج إما كبيرة وإما لا شيء، لا بأس بسعادة بسيطة أو سعادة مؤقتة، هي فسحة لروحنا الوهنة نقتبس منها أسرار البقاء، نحتاج إجازة قصيرة، ونحتاج لقاء صديق، ونحتاج للضحك، لا يهم ما ينتظرنا بعد سعادتنا، نحن نمارس ما يتاح لنا من سعادتنا لتستبيح أعماقنا بغموضها المبهر.

البداية سعادة مؤقتة، والخطوة الأولى سعادة مؤقتة، والسفر سعادة مؤقتة، وفنجان القهوة سعادة مؤقتة، والنظر إلى عيني طفل سعادة مؤقتة، النوم سعادة مؤقتة، الذكريات الجميلة سعادة مؤقتة، إذا كان الحزن عابرا فكيف لا تكون السعادة عابرة!

لا بأس بسعادة مؤقتة فهي ممر إلى سعادة أكبر، هذه الفسحة تجعلنا نعطل إحساسنا بمشاكلنا وهمومنا ولو لبرهة.. لنسمح لأحاسيسنا الجميلة بأن تخرج ونعمل بأثرها بشوق أكبر، وتمسح عنا بعض الضيق، ربما توجه تفكيرنا بطريقة أفضل .. هي ليست حلا لمشاكلنا، ولكنها استراحة تسمح للهدوء الذي نحتاجه بأن يأخذ دوره المهدور وسط مشاغل الحياة. لا تغلقوا الأبواب أمام سعادتكم حتى وإن كانت مؤقتة..

نحن لسنا مستقبلات للحزن .. من حق السعادة أن تأخد طريقها إلينا، وإلا تحولنا إلى شظايا بشر.
لسنوات عشنا نلهث وراء شرك السعادة، ونتساءل لماذا يحتكر البعض الفرح، وتستهين بنا البهجة فتأبى زيارتنا؟ نحن نطمع في أن تستقر الأفراح في عقر أيامنا للأبد، بينما هي وهم ذو سحر دافئ قصير العمر.
هناك من تمرد على النزر اليسير الذي تورده إليه الأيام من الغبطة، فطور ذاته ليكتفي بصناعته الروحية للسعادة ونال عمراً من البهجة، وهناك من بنى سداً أمام تردد أمواجها فامتنعت عنه.

كتاباتي

بين عربتي الحياة

في مشهد تكرره الأيام بانتظام مضطرد، تتمدد الدنيا بين مفصل المهد وبين استراحة العجز، ولأن الحياة مرحلة مؤقتة في قدرنا، نحن دائماً على سفر، غافلين عن إعداد العدة لمرسانا الأخير، وبين عربة الطفولة وعربة العجز تسلط عليك الحياة أسئلتها، وتيسر لك طرق الإجابات المزدحمة بالعقبات، طرقاً وعرة مكتظة بحفريات العلم والحب والعمل والمآزق الصحية والعسر المادي، وإن حالفك الجهد بتخطي مطبات امتحاناتها خرجت أخيراً بإجاباتها الدسمة.

في عربة الطفولة نراوغ ما شئنا، نتحرر من الذنوب ومن المسؤولية، يحملون عنا أخطاءنا، هناك من يجمل عيوبنا، يتبنى استهتارنا، يشبع فينا التهور والجرأة، يأخذ نصيبنا من الآثام. في الطفولة ننسج الأكاذيب، نلقي القبض على الخيال ونطلقه بعيداً كما شئنا، نتشرب الصور الجميلة للحياة كما يقدموها لنا، نملك الشجاعة على تقبلها كما يتسنى لنا نقدها دون حدود رقابية، للطفولة سحر الجرأة وألق الطيش.

في الكِبر، نتثاقل من أنفسنا، تلفنا الأسئلة، نتحول إلى علامة استفهام دائمة ونتقمص علامة التعجب، أهو سوء الحظ؟ أم رسالة إلهية؟ ثواب أم عقاب، أم هكذا ببساطة هي الحياة؟ حين تخطف الأيام منا المستقبل وتصبح مطالعة الماضي هوايتنا المفضلة، ننظر إلى ماضينا كقاضٍ أتقن فن المحاكمات، نرمي ثقل لومنا على أنفسنا، ونأخذ كل صغيرة مرت بنا مأخذ الاهتمام، ونعيش في دوامة الذكريات، كنا نملك قوة تزين جسدنا وذهننا، القوة وحدها تثلج العجز حتى لو جاءت على هيئة ذكرى.

أما بينهما، نتقصى أخبار الحياة، نقع في كمين نصبته لنا حين رضعنا جمالها وألقينا جانباً فخ الاحتمالات الذي تزودنا به الأيام، نجهل أن الحياة وظيفة نشغل بآدميتنا فيها أهم مناصب الخلق، نحاول تبييض صفحة العقبات الممزوجة بدهاليز المعضلات، نثب بشبابنا مسافات واسعة نحو غاياتنا، نعيش كأن الشباب دائم لا يعرف طريق الزوال، نضع على الهامش ما علمتنا إياه الطفولة ونستقبل مفاهيم جديدة لم يسبق لنا تجربتها، نندفع وراء أهدافنا ونذيب صخور الشكوك بقدراتنا، ندافع عن أحقيتنا بفردية تجاربنا لنكتب بمفرداتنا ما تعلمناه أثناء مراس الحياة الصعب ونتجاهل شقاء بعض أهل الخبرة، في الشباب ننكر أننا كنا أطفالاً، ولا نصدق أن الكبر سيحل ضيف أعمارنا يوماً، وكأننا في سبات شبابي لا يعرف اليقظة.

بكلمتين أوجزت معمرة تجاوزت المئة وعشر سنوات الحياة حين سألوها في برنامج وثائقي عن حياتها: “العمر غفلة”.

في إحدى المجمعات التجارية حيث كنت أنتظر ابني لينهي دراما البكاء وإلحاح المغريات المحيطة به هناك، كانت أم تجر عربة تحمل طفلها كمهد صغير، سعيدة لدورها الذي تمارسه ببالغ البهجة، تنظر إليه كوعد الحاضر لها بمستقبل خلاب، تستلهم من نظرات مولودها ما يذهل الأحلام في صفاء خيالها، خلفها على بعد خطوات فقط امرأة سبعينية تجر عربة رجل أعطته السنوات الكثير من الشيب وأغدقت عليه بخطوط التجاعيد، واختبرت صبره بصعوبة الحركة فجعلته قعيد كرسيه المتحرك، وسخط الإجهاد يبدو في عيني زوجته.
اختصر المشهد الحياة في لوحة عملية حية هي الأكثر عمقاً من لوحات فناني العالم مجتمعة، اختصر البداية والنهاية.
نحن الآن بين عربتي الحياة …

كتاباتي

حمية روحية

نحتاج شيئاً آخر غير الأمل، الأمل وحده لم يعد يجدي، فالأمل بعيد لمن ينتظره قابع في قاع الجرة، فحسب الأسطورة الإغريقية أعطيت باندورا صندوقاً صغيراً لتحفظه ولا تفتحه أبداً، ولأن باندورا بها من صفات البشر الكثير قادها الفضول لفتحه، وخرجت منه الشرور إلى العالم، خافت باندورا التي خالفت العهد بفتحها الصندوق وقامت بإغلاقه، فبقي الأمل بطيء الحركة في قاع الجرة لم يستطع اللحاق بباقي الشرور.

يقال أن أم سقراط كانت قابلة، ومن أجمل الأفكار التي كان يسوقها سقراط وبفخر أنه يواصل العمل في مهنة أمه باختلاف بسيط وهو أنه يساعد على ولادة الأفكار، وروي عنه وهو المعروف ببساطته وزهده، أنه تمشى ذات يوم في السوق ونظر ناقداً كثرة البضائع المعروضة وقال: “ما أكثر الأشياء التي لا أحتاجها!”. ونحن بين صفقات الحروب حولنا، وأزماتنا الذاتية، وخسائرنا، والفقد، والفقر، والفشل، والجنون، والسعي، والهجر، والنسيان، ورحيل الأيام، نمارس مهارة الانتظار على موسيقى القلق، ننتظر أملاً لا نثق به.

يدعي علماء النفس أن القلقين يبحثون عن أشياء تثير قلقهم، لا أعلم كيف استطاع الخوف، هذا الشعور الذي نملكه، أن يملكنا ويخلق منا مرضى لا نعيش إلا به، كيف سيطر على حياتنا ليكون نكهة أيامنا المستمرة، فبعض الهموم منسوجة من ناطحات الخيال.

لو يبادر أحدهم يوماً ليثري معرفتنا بعدد المراكز الخاصة بإنقاص الوزن، وعدد الأخصائيين في هذا المجال، سيجد عددهم تجاوز ما وصلت إليه مخيلتنا من أرقام، يأتي هذا التناقض موازياً لزيادة عدد الدول التي تعاني من نقص الموارد الغذائية، فهل بحث أحدنا عن حمية روحية لتتسع عقولنا لهذا الدمار؟ كم أصبح نحت الجسم أولويتنا وأهملنا نحت الفكر وتجميل الروح، نحتاج علاجاً لهذا الوهن الروحي من داء الهموم، فالكروب تمتص شحيح الأمل. كم يبلغ وزن تراكم الجهل والحقد ومخزون الحب والثقة والعلم؟ من يقوى على تبني حمية تساعدنا على التخلص من تراكم الوهن وبناء عضل الحب ونحت مشاعرنا لحياة أبسط وأجمل؟

لأن صوت الأفعال أعلى من سكون الشكوى، وحدك المسؤول عن تلك الروح، تدافع عنها بخوف كما تخاف مما يخبئه القدر، وحدك ترد لها فرحها وقوتها، في هذا أنت وحدك، هناك وقت لتلك الأنا في جوفنا، وقت لترفنا، ولجنوننا، وقت لحبس الواقع بسجن الجمال الذي نحلم به، فعلى منصة الهوامش نركن سعادتنا.

تبقى لنا ممرات للهروب وإن كانت ضيقة إلا أنها تسمح لنا بإعادة تهذيب الألم، فالاقتباس أحيانا أجمل من الحقيقة. نحتاج حمية روحية، وقتاً ننفرد به مع أنفسنا، ندعو ما هرب منا في غفلتنا عن سعادتنا، نمارس بها البعد عن تلك النفس الوهنة المعجونة برائحة التعب لنلتقي بالأنا التي تشكلنا، من حقك أن تستولي على أحزانك بوضع اليد لإزالة آثارها و دفن ترسباتها بعيدا ما أمكن.

أخطر الصناعات الحديثة صناعة “خلق الحاجة”، فمعظم ما نحتاجه نريده دون سبب فقط لأنهم أوهمونا بحاجته، وتغافلنا عن حاجاتنا الحقيقية المتاحة التي تنتظر إشارة منا. من أجمل أقوال الإمام الغزالي: “إن نقص الكون هو عين كماله، مثل اعوجاج القوس هو عين صلاحيته ولو أنه استقام لما رمى”.

تزورنا الهموم كموج البحر، لطيفة أحياناً وثائرة بلا رحمة أحياناً أخرى، متناقضة كحرب الملائكة مع الشر، وحرب الشياطين لمحو الخير.

ننتصر خلف كواليس الأيام، فإن تجاهلنا أحزاننا وأثقالنا لا يعني أننا ننساها، نحن لا ننسى وإنما نمارس ببعض الاتقان لعبة الحنين إلى الترف، نريد ميزاناً خاصاً لقياس المشاعر على أن يكون ذاتي الاستعمال، لينتج إنساناً يستحق الحياة، فالوجوه المزيفة تملك جلداً حساساً لا يخفي ظل سوادها مهما فعلت.

البوذية وتشريعات مانو والكونفوشية والديانات السماوية بل وكل من ادّعى الألوهية أو النبوة وكل المذاهب وأشكال الأديان والعقائد دون شك دعت وما زالت تدعو إلى التقرب من النفس، على هيئة صلاة أو تعاليم أو أفعال أو دعاء، وكانت أيضا مفاهيم كالطبيعة، وضبط النفس، والتسامح، والقراءة، والاعتدال، وربما الزهد، ونبذ الشر والجهل، واحتضان الخير والمعرفة، وأحكام الإغلاق على صندوق الغرائز، كانت ومازالت قاسماً مشتركاً بينهم.

نحتاج حمية ذاتية روحية نؤمن بها كإيماننا بأن الله العظيم معنا داخل قلبنا الصغير، وسأجتهد بإطلاق بعض الحميات الروحية المجدية إن التزمنا باتباعها يومياً؛ حمية الحب، وحمية الخير، وحمية الموسيقى، وحمية تغيير الذات، وحمية القراءة، وحمية ممارسة الهوايات، وحمية الصدق وما أصعبها من حمية، وحمية اللقاء، وحمية الرقص، وحمية القرار، وحمية الغفران.

لا أدعو هنا إلى أن نملك هذا الكم المستحيل من التسامح، فإن كان الله خلقنا إنساً فلا أمل لنا أن نصبح ملائكة…لكني أتساءل؟ هل جربت الهجرة من هذا الامتلاء الذهني إلى عالم الرشاقة الذهنية باتباع “حمية روحية”؟

نحن بحاجة الى تخفيف وزن الهموم أكثر من الدهون!

سامح الله باندورا فلولا الفضول لما عرفنا الشرور…

 

 

كتاباتي

“قلب القيم”

لمن لا يعرف فهذا العنوان مقتبس عن عمل لم يصدر، تبدل مصيره وتحول لعمل آخر، وتجرأتُ هنا عن قصد وعمد، دون شبهة الإصرار، على اقتباس هذا العنوان عن كتاب أراد الفيلسوف الألماني نيتشه كتابته، ليقلب بأفكاره كل القيم السائدة، “قلب القيم” أو “قلب كل القيم” وفي ترجمات أخرى “إعادة تقييم كل القيم”، إلا أنه تراجع عن هذا الكتاب لمصلحة كتاب آخر رأى أنه قلب به كل القيم كما أراد.

وهذا ما أراده الأسرى تاركين خلفهم كل الخيارات ومتمسكين بقوتهم وإرادتهم، محاربين من الدرجة الأولى دون سلاح، فهم لا يملكون سوى ضبط النفس وهو سلاحهم الأشد.
أعلن الأسرى إضرابهم المفتوح عن الطعام ليحتجوا على سياسة القمع التي تمارسها سلطة الاحتلال في السجون بحقهم، لا يطالب الأسرى بسجون مرفهة، بل يطالبون بحقوقهم الأساسية كبشر، فهم يعانون من الإهمال الطبي، والضرب، ومنع الزيارات، والعزل الانفرادي، ذلك مع وضعنا جانباً أشكال التعذيب التي قد لا نقوى على تخيلها، والمعاملة البعيدة عن احترام الإنسانية.
انقلبت كاميرات الإعلام وأصواته بأشكالهما، وخفت وتيرة التصعيد الهزلي بتصوير إسرائيل حليفاً، فقبل أسابيع كانت تندد وتطالب بفرض العقوبات وتقدم المساعدات الإنسانية للسوريين قرب حدود الجولان. جاء الإضراب لتذكير من تغافل بأن إسرائيل دولة احتلال قبل أي شيء، الدولة الديمقراطية كما تدعي، ولا أعلم كيف لها أن تدعي أي شكل من أشكال الوجود وهي كيان قائم على الاحتلال منتهكٌ قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، وحتى القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء. فجرالأسرى بركان الحنين لثورة الإصرار، ووجهوا آذان العالم التي أبت طويلاً أن تسمع، لتسمع الآن صمتهم وبدقة. أليس هذا قلباً للقيم؟

قد لا يملك الأسير وقته أو مكانه، وهو المحكوم بالسجن مئات الأعوام، أو بالمؤبد مرتين وثلاث، ويفتقد للكثير مما نملك نحن خارج السجون، يثور غضبه كل يوم على ظروفه، يمقت كل ثانية جدران الأسر، قد يفقد حتى حق التحكم بجسده، لكن روحه وعقله ما زالا ملكه، وله حق القرار وحق الصمود. قد تكون ظروف الحياة وأهم احتياجاتها غير متوفرة لمن هم خارج السجون في فلسطين المحتلة وخاصة في غزة، لكنهم رغم تشديد الظروف عليهم أيضاً صامدون، يسحبون ضعفنا ويزودوننا بالكرامة، وإن سألتهم يجيبون: مازال الأمل موجوداً والمستقبل لنا، وأما من غابوا فهم أحياء عند ربهم، ونحن موتى رغم الحياة.

لم أنسَ نظرات الهلع في عيني أم التقيتها منذ سنوات عند اندلاع الانتفاضة الثانية عام ٢٠٠٠، أخبرتنا عن خوفها على ابنها حين أرسلت لها المدرسة تطلب حضورها، وكان السبب خلف ذلك أن الطفل حين سئل السؤال المعهود: ماذا تريد أن تصبح حين تكبر؟ أجاب: فدائي.
تُرى هل أراد الطفل انتزاع هذه المبادرة ليغطي ضعف محيطه واستسلامنا لكل ما يحدث حولنا. خوفنا اليوم على أبنائنا من الهزائم أصبح أكبر، وعبء حمايتهم أصبح أعظم والانكسارات تحيط بنا.

من أراد منكم أن يعلم أولاده مفاهيم نادرة قد لا يروا مُثلاً لها، فليخبرهم عن فلسطين وما تنجب فلسطين.
شكراً لإشعال نور فلسطين الساطع على العالم المظلم.
فلسطين الأرض لا السلطة، وفلسطين الشعب لا الأنظمة.
شكراً لأسرانا قادة التغيير وملوك الحرية، وعذراً من كل أم فقدت ابنها أو تجهل مصيره، أو تحترق ألماً من شوق الغياب، أنتن أمهات هؤلاء الرسل وزوجاتهم وبناتهم، رسل البطولة، لكم الله، لا شيء أعظم لأدعو لكم به، لكم الله والجنة التي تحلمون بها، فهذا الحزن لا شفاء منه إلا بالقوة.

جلنار

كتاباتي

قارئ مبدع

ثمة حضن أوسع أفقاً، أقل تشدداً، أكثر دهشة من حضن الكاتب لكلماته، هو حضن قارئ نهم يتنفس الخيال. بين الكاتب والقارئ حوار غير منقطع، فإن كنت في حضرة الكلمات فأنت حتماً في ضيافة كاتبها.
لعل الشغف بلقاء القارئ بنصه أول ما يهاجم الكاتب من مشاعر فور الانتهاء من كتابته، وهو ذاته الذي ينتقل للقارئ فور صيده لكتاب أو نص ما، فأن يقع اختيار القارئ على نص لقراءته هو صيد يحتاج مهارة عالية وقد يحتاج إلى مشورة وبحث. القارئ المبدع صياد ماهر، والقراءة دعوة للقاء الكاتب بكلماته وأفكاره، هي دعوة لجدل فكري يختبئ بين الكلمات، هي نهر من الدهشة. قراءة كتاب تعني بالضرورة حوارًا عميقًا لكنه ساكن متدفق بين كل كلمة وما يتلوها من كلمات، حوار يعرج بالقارئ لعلاقة مع قارئ آخر فهم شركاء الأفكار والجدل… هو حب خاص من نوع ثقافي يحكمه أثر الكلمات على النفس، دهليز الأفكار لا مرسى نهائيًا له، مرساه حوار متجدد.

الكاتب رسول فكره نبوءته
“أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض” هكذا قال شيشرون واصفاً فلسفة سقراط، وأنا أرى أن بعض الكتاب أُنزلوا من السماء إلى الأرض، كم من كاتب حطمت أفكاره أصناماً عاشت في أدمغتنا، لم يكن سهلاً عليهم أن يشقوا الطريق إلى عقولنا، وحدها الكلمة لها أثر المعجزات… من فرقتهم المدن وحتى العقائد والأديان يجمعهم حب كتاب، ما من تعويذة قادرة على إبطال سحر كتاب … غريب سحر الكتب.

مد وجزر
الأفكار ليست على قارعة الطريق كما يخبرنا البعض، حياتنا ترقد على قارعة الطرق. لكل فكرة جذورها المترسبة فينا، ولكل كلمة أثرها وقد لا تمثلنا جميعاً، لكن حرفاً واحداً قد يروي ألم أحدنا أو يترجم سعادته، الأحرف كما تجتمع لتشكل أسماءنا تجتمع لتكتب سيرنا وهمنا وأرقنا بأسماء مستعارة، نحن نعيش بتلك الكتب وهناك من ينوب عنا داخل صفحاتها.، هي علاقة مد وجزر تحكمها قوة جاذبية الفكرة وقربها من قلب القارئ، هائمة فوق مستوى منسوب الفكر، أو أقل جاذبية، منخفضة تحت مستوى التوقعات.
لكل نص طرفان لا يقل أحدهما أهمية عن الآخر، لكل نص كاتب جمع الحروف ليكوّن فكرة وقارئ فكك أحرفها لتتصارع في مخيلته حتى تستقر في إحدى غرف الرأي، قد تكون مطاوعة لما أراد منها كاتبها، أو طرأ عليها تغيير، أو تحولت إلى شكل آخر حين تزاوجت مع آراء قارئها، أو رمى بها بعيداً رفضاً لها، فوطن الكلمات قارئها ومنفى الكلمات قارئها، والنص جنين يخلقه كاتب ويلده قارئ ويجهضه جاهل.

على ردهة كتاب تكون أجمل اللقاءات وأصعب الوداعات
ينقل الكاتب من خلال كلماته تجربته الشخصية وآراءه، ينقل تجربة حياة عاشها بنفسه أو لم يعشها بل كانت قريبة منه فتأثر بها، لكنها في كلتا الحالتين نتيجة معركة ذهنية خاضها ليكتب نصه، وثار في مصنع الأفكار الذي أرقه وأجهده حتى ينتج كتابه، لذلك يسعى الكاتب عن سبق دراية لتقديم فكر يليق بذاكرة قارئ تؤرقها معاني الحروف، لأن الفكرة الجميلة تتحرش دون ملل بفكر القارئ لتجبره على احتضانها، وقد يغافلها القارئ ويثق بها وهو الدور الأصعب للكاتب والأدق للقارئ، يواجهان مسؤولية هذا الخطر الذهني معاً.
الأصعب من هذا اللقاء الثري وداع كتاب رافقك أيامًا وكشف بصداقته لك أسراراً فكرية ولمس مركز الفضول لديك وأثار بك البحث عن النهاية لتجد البداية، غالباً ما يلازمنا الحزن مع نهاية قراءة كتاب ألفنا معانيه ووثقنا بأشخاصه. مرارا واجهت هذا الوداع وهمت بحثاً عن صديق جديد يشغلني ما يرويه عن فراق صديقي القديم… بوداع كتاب نواجه امتحان الحزن لقواعد الحنين.

من يستحق لقب قارئ؟
في ركني الصغير المتواضع جداً على صفحات موقعي الإلكتروني أو على صفحات التواصل الاجتماعي تصلني رسائل من قراء مقالاتي تفيض بالعلم، قراء أحييهم على سعة قراءاتهم، ففهم القارئ لما يرمي إليه الكاتب نتيجة قراءة عميقة وقراءات سابقة لكتاب آخرين، فهم القارئ الجيد يعني كمَّ المؤلفات التي قرأها وتأثيرها عليه وفهمه لها. من يستحق لقب قارئ يستحق أن تهديه الحياة أجمل ما فيها لأنه الأكثر سفراً وتجوالاً وإبحاراً في كل الخبرات التي نقلتها إليه النصوص، ومن يفهم الحياة تعيد إليه فهمه بسعادة وحده يدرك لذتها، وقلة هم أولئك السعداء المترفعون الذين يرفضون شبراً واحداً للجهل على أرض المعرفة وسمائها وبحرها.
هناك قارئ مبدع وقارئ ملهم وقارئ مغيّر ومرشد، وصفة “قارئ” هي لقب لا يستحقه كل من تعلم القراءة، لأن القراءة فن ومنهج ومراس … لقب “قارئ” هو تقدير لصاحب الجدارة باستحقاقه، هو القادر على اختزال قراءاته لولادة فكر يثريه الحوار.
وشكراً لكل قارئ…