كتاباتي

“رمزي”

مِن نِعَم الذاكرة علينا، أنها تزودنا بنصيب معين وقدر قليل من أحداث الماضي، ولا تُغرق كاهل عقولنا بتفاصيل كثيرة قد نستغني عنها، وقد نستحضرها تحت وطأة حاجتنا إليها.

“رمزي” كان جامع الأحلام والشاهد الوحيد على الهزيمة الأنثوية الجماعية، هو الخبر الأهم في نشرة أخبار الحالمات، أسيرات “رمزي”… فارس أمنياتهن وقدرهن المُعجّل.
تعاني المرأة من انتكاسات ما بعد الحب، حين تلتقي وتعيش مع رجل ثابتٌ نَسبه إلى الواقع، تدرك أنها لم تلتقِ بنفسها كما كانت تعتقد، فما أجمل الرجل ما دام مغلفاً بصفات البطولة، لم تجمعه الحقيقة بامرأة.
هنا تعيد الذاكرة “رمزي” من النسيان بعدما كان تحت الإقامة الجبرية لأحلامها ..

بنيّة غير معلنة رغم وضوحها، لكل امرأة رجل يسكنها، تمحي ما لا يعجبها به أو ترسم ما تتمنى وجوده بإشارة من حلم، تظن أنها كفلوبير حين قال: ” كل ما يخترعه الإنسان يصير حقيقة”، فتخترع رجلاً من بحر الأوهام القَصِي، كيف لا تصنع رجلاً من صقيع الخيال المتجلد، تصافح وجهه في ملهى إرادتها، كيف لا وحُلم المرأة جمالها.
لطالما عجزت عن فهم تلك الجداول من النصائح الاجتماعية التي تملأ صفحات المجلات والكتب والمواقع الإلكترونية لتحضّر المرأة لتتعامل مع زوجها وتسعده، وكيف تحل مشاكلها الزوجية، وكيف تتعامل مع مزاجيته، وما هي الإشارات التي تؤكد أنه ما زال يحبها، وفي المقابل تحضّر الرجل لاستقبال امرأته كطبق أنيق معدٍّ من نصائح واهية، تجرفه غرائزه، وتتسكع رجولته الشرقية في نعيم مفاتنها، ليس غريباً إذاً أن يُخلق رجل وهمي في خيال المرأة تسميه “رمزي” كناية عن كل ما تمنّت من صفات في زوجها وحبيبها، المشكلة ليس في ساكن الخيال بل في ما يحدث حين تفض عذرية الأحلام، وتبدأ مناظرة المقارنة بين “رمزي” وبين رجل حياتها الحقيقية.

الأمر لم يعد جديداً أو خفياً؛ المرأة والرجل من كوكبين مختلفين، تهرب هي حين يخذلها إلى الدموع، ويهرب هو إلى حضن امرأة أخرى مدعياً كما هي العادة أنها عصية على الفهم، رغم أن سرها ليس صعباً ولم يكن يوماً كذلك، تريدك أن تراها كما هي لا كما الرجولة تفرض عليك صورة المرأة، وأن تحمل هواجسها ومستقبلها بين شفتيك وتقبلهما بحنان كأنهما هي.

كلما اجتمعت أنثى بأخرى، اكتشفت أن النساء ينتمين إلى نوع واحد فريد من الورد ليس أكثر، تجمعنا أحلام غير بريئة، عذوبة فكرية، أنانية علنية، كيف لا تكون المرأة سيدة الكون الأولى، وهي ثواب الجنة للرجال!
لعل هذا يفسر لي لمَ كل القصائد والحكايات حيكت لتصف فارس الأحلام القوي الخيّال، فالقصائد كتبت لتخليد صفات غير موجودة، وليس أي رجل يستحق عنفوان امرأة…

أما مناسبة الخوض في ذكريات “رمزي”، أني التقيت صديقة قديمة ما زالت تنتظر “رمزي”؛
“رمزي” صورة الرجل الجميلة التي نسجتها بإسقاطات الأوهام وتراكم حكايات الأبطال، رمزي مجموع صفات غزلتها رغبات الفتيات على أمل أن يكون حبيبها على هيئته.
فانتظري إن فرغت من حزنك على ضياع رمزي، انتظريه كباقي الأحلام… لأن اليوم صانع الغد…
الأحلام خلقت من أجلك فلا تكوني نصف امرأة معلقة بطرف حلم…
والله لا يمل دعوات عبده!

من منا لم تغفُ على وقع خطوات “رمزي” في أحلام قلبها!

جلنار

كتاباتي

آخر الخيول البيضاء

آخر الخيول البيضاء… هو آخرها…
التقينا … كان لقاؤنا كالحب من طرفٍ واحدٍ، طرفي… وليس عابراً، فقد لحقته لقاءات أخرى، أيضاً من طَرفي الوحيد…
لا يشبه إلا نفسه، شعره الرمادي ونظاراته، تسكن عند زاويتهما ذاكرة تنبض بقوة كدقاتِ قلبٍ فتيةٍ رغم كبرها، ذاكرة جمع تفاصيلها وأضافها ليس مرغماً عمراً آخر إلى عمره.
بحنينٍ لم يعد يتقنه سواه، كان بين أولئك الشباب الذين التفوا حوله ليُوَثِّقوا لحظتهم بصورةٍ يتكئون عليها حين تضعف ذاكرتهم، وبعد أن حفظوا لقاءهم به بعدد من الصور، اعتذر منهم بعد أن ملأت إضاءة كاميراتهم المكان وأفسح المجال لعازفي الأوركسترا ليبدأوا حفلهم.

لقاؤنا الثاني ذكّرني بالشاعر أدونيس، حين سُئل عن الجماهرية الفنية للأديب، قال إن أكبر أكذوبة فنية هي “الجمهور”، وأنه يقيس تدني الشاعر بجماهيريته. محمود درويش أيضاً كان يعتبر أن النجومية لا تعني شعراً عظيماً بل قد تخفي شاعراً ضعيفاً، أتراه هو أيضاً له هذه الفلسفة، لأراه يمشي وحده مغادراً إحدى الأسواق التجارية دون تجمهر حوله، وكأنه مغلف بشفافية أدبية تحميه من خطر جمهوره.

رأيته حقاً، أم خداع بصري أصابني تحت سحر الشِّعر، أنيقاً كما لو كانت أمسيته الشعرية، ياسمين الليل أرسل لي إشارة بأن رائحته تعني شيئاً، كنت في زحامِ كلمات وصورٍ شعرية تتقاذف مخيلتي، حين انتهت الأمسية الشعرية، والتحق الحضور بشاعرهم، أصر الياسمين على أن ألتفت خلفي… رأيته مغادراً، كان بيننا يغذي روحه بكلمات شاعر غيره.
قال حقيقته برحيله السريع، مزق بقايا الغرور وغاب… اختفى فجأة كما ظهر في جوف الغرابة وتساؤلاتي!

قاوم بغزارة حروفه وكتبه للحفاظ على الحرف العربي في حرب اللغة، حرب مضافة إلى حرب شعبه … هو ابن من حلموا بالعودة وماتوا غرباء…
لو كانت أعمال الأدباء هي أسماؤهم لكان هو “الذاكرة الفلسطينية” …

وكأن الخير يأتي خيلاً … أصيلاً كأصالته
لم أر يوماً جنوناً بهذا الهدوء…
إبراهيم نصرالله دمتَ على تواضعٍ كما أنت…
كما أرادت لنا أمّنا… سيدة الأرض… فلسطين…

جلنار

كتاباتي

صورة طريفة لوطن

وسط غابة من ركام الحجارة، رائحة الدمار تنبت سريعاً، سماد بشري وماء أحمر، وحرارة القصف، بيئة جيدة لنمو الدمار، لا حاجة لتقليم أشجار الشهادة…

اجتمعوا عند سنديانة بعمر النكبة، تغطيهم بظلّها كأنها تحلف على رؤوسهم اليمين بأنها شاهدة على نكبتهم، معمِّرة، فذكرى واحدة لعمرها لا تكفي، بل ستين وأكثر، وأكثر…

حضروا من كافة أنحاء الذكريات ، وحتى الذكرى الغائبة جاء من ينوب عنها، حضورهم كان واجباً، سمعوا أن الدمى ستلعب شخصية جديدة في هذه المسرحية، تدعى “وطن”.

بدأ العرض… ظهر “وطن”، بطل الحكاية، انحنى أمام ترحيبهم، صفقوا له جميعاً بحرارة لا مثيل للهيبها، صعدت أصوات الشعارات عالية دون مكبرات صوت، أضيفت شعاراتهم أُسوةً بالنص الأصلي للحكاية، وأدّاها وطن بحرفيّة فنية وطنية.

حكاية وطن هي حكايتهم، حكاية الياسمين وشقائق النعمان، ولذة طعم الزيتون وحلم السلام.

تُحرك وطن يدان عملاقتان خفيتان يتظاهر الجمهور بأنهم لا يروهما، واحدة أكبر من الأخرى بقليل، أو هكذا تبدو، وأيدي صغيرة جداً تلحقهما كيفما اتجهتا! تنتفض وتخاف بأمرهما، وتهدأ بأمرهما…

وفي لحظة فاجأتهم، لم تكن إشارات اليدين العملاقتين واضحة، لكن الأيدي الصغيرة ظلت تتحرك في نفس الاتجاه، إلى أن جاءت سحابة غامضة رمت رذاذاً مجهول النسب، ما إن رحلت حتى تحركت الأيدي الصغيرة بصورة عشوائية واتجاهات مختلفة، ليست مختلفة فحسب بل متعاكسة وإثر عشوائية حراكاتهم تعثّر “وطن”، لبِث برهة يتأمل وجوهم، صمته ملأ المكان حداداً على نسيانه نص حكايته والشعارات…

وفي خبر عاجل…

وقع وطن…

من طرافة المشهد…

ضحكوا.. ضحكوا كثيراً… بعضهم ضحك ولكن الدمع غلبهم، فغلبوه، وأبقوا على الضحكة… ليست مصادفة هي التي جمعتهم بوطن في هذه المساحة من جغرافيا العالم بالتحديد، بل ليسجلوا هروباً جديداً على سطر جديد من صفحة التاريخ…

جسده الموشى بألوان الكدمات، ذكرى الألم مطبوعة على جسده، لتؤكد أن مرورها ليس عابراً! أداروا ظهورهم مغادرين.. لم يحاولوا حتى السباحة عكس تيار الخجل… بل غطى الزبد روحهم سريعاً دون مقاومة تملؤها صدوغ هرمة، وكأنها جاهزة للموت. سألهم… سأل الكراسي الفارغة، بصوت يشبه الصراخ و لكن أكثر هدوءاً، يشبه العتاب و لكن أكثر حدة…

ألم تشبعوا موتا؟

ونام !

 

*المكان: مسرح الدمى في مخيم اليرموك

جلنار

 

كتاباتي

مرحباً نيسان…مرحباً بالوعد

تحالَف نيسان مع الشمس لإغوائي على سعادة موسميّة…

كلما أقبل نيسان زدت تولعاً بالصيف، بترتيل العصافير وصوت الصباح، وكلما حلّ أيلول زدت تورطاً في كرهي للشتاء.

بتّ على وشك اليقين بأني دخيلة على هذا الزمن، زمن لا تملك الشمس فيه الكلمة الأخيرة، ولا أعلم سرّ ظروفي التي حالت إلى وجودي في عالم لا يشبه عالمي بشيء…

حتماً ثمة خيط خفي ما يربطني بالصيف، لا أشبه نفسي وأنا معلقة على نسمة سعادة مارة بأخبار صفراء رملّية حارة، كأنها تقلدني وسام الحرية مع مرتبة الدفء.

حتى روبرت ليجتون لم يساعدني بقوله “الزهرة التي تتبع الشمس تفعل ذلك حتى في اليوم المليء بالغيوم”، فكلما جاء غيم الشتاء كهلاً متجعداً  ونَزَف بما زاد عن حاجته، مطراً أو ثلجاً، كلما زاد اكتئابي الموسمي، لا أنتمي إلى حيث تغيب الشمس،  وأغضَب من ضيف السماء!

ومنذ علمت عوارض اكتئابي الشتوي وأثره عليّ وأثري عليه وعلى من حولي، عدلت التقويم، فعامي الإنتاجي يبدأ مع حلول شمس نيسان، عملي، وكتاباتي، وخططي، وحتى مشاعري، كلها صيفية مختومة بختم الشمس، حتى وإن ظهرت شتاءً فهي بنكهة صيفية.

في أقصى نوبات مزاجي الموسمية أخشى أن أكون إحدى لعنات “أبوللو” إله الشمس الإغريقي، هو الذي لم يترك النساء اللواتي لاحقهن دون لعنة، كاسندرا ودافني وغيرهما! فكلما جمعت قوافل الدفء لأحتمي بها في أشهر الشتاء، عاقبني “أبوللو” بهزيمته وكسوف الشمس.

لو كان بإمكاني أن أختار من خزانة الفصول، فصلي، لاخترت الصيف فصولي كلها… ولو كان للصيف جسداً لَقبّلته…

من مثلي؟ تملك الشمس مزاج أيامنا … ننتظرها حتى وإن بذلنا ماء جسدنا عرقاً!

وكأني أحبها حتى الاحتراق…

زوجي الذي يزعجه استيقاظي باكراً جداً، يخاف أن أكون تحت سيطرة إله الشمس، أستيقظ لأفتح له باب الفجر بعد أن عاد منتصراً من حربه مع الليل.

من أكون حين ترحل عني الشمس؟

أما وقد عقدت هدنتي مع الشتاء، صرت أنتظر وعد نيسان بصيف يَخلِفه، لأن مزاجي الموسمي لا يملك حقّ ملكية القدر، سيدخل الفرح علي من أوسع أبواب الشمس.

حتى وان أخفت سُحب الغبار شمس نيسان…

يبقى…

مفتاح الأمل نيسان، مفتاح الصيف نيسان، مفتاح الوعد نيسان …

أهلاً نيسان، أهلاً بالوعد…

 

جلنار

كتاباتي

قالت لي: نعم، أريد أن أتزوج

 حتى لو اكتست الحقيقة وجه السخرية، فهي تريد أن تتزوج….

تبحث عن نصفٍ أجمل منها…

عن نصف لا يجرؤ على اغتيال حريتها…

عن الجزء الأفضل في حياتها…

عن سعادةٍ ممددةٍ على كاهل الأمل…

يحدث أنْ تعلنَ امرأة رغبتها في الزواج علناً، وأنَّ صبرها قد شارف على النفاذ، وهي تنتظر فارسها لترحل معه وتودع عالم الآنسات، ولا يأتي!

تبحثُ عنه في فنجان قهوتها كل صباح، يظهر لها بانتظام وكأنه يَعِدُها عبر الرسومات المشوشة: سآتي يوماً… انتظريني… فتدمن القهوة بلهفةِ عاشقةٍ، وتدمن دعاء الباعة المتجولين على إشارات المرور، وتجود عليهم كلما جاء فارسها على هيئة دعاء.

تصطدم هواجسها المعلنة بمجتمعٍ يلومها، لا يعترف بحرب “الأستروجين” في جسدها، ولا بحقها بإعلان رغبتها، يعترف فقط بحقها بالانتظار بصمتٍ، مجتمع ربّى فيها المستقبل على أنَّه رجلٌ يمنحها لقبَ زوجة وأم، وقد حضر المستقبل وغاب الرجل!

على الجانب الآخر لوجه الحقيقة الساخر، هو يريد أن يتزوج، تبحث والدته عن زوجة له تبعاً لصكوك ملكية ابنها، شهادة ميلاده تحمل اسمها في خانة “اسم الأم”، تبحث عن مادة غنية تشبع صباحاتها النسائية.

مباحٌ له البحث عن زوجة في العلن، “التستوستيرون” لا ينتظر، وهو يريد أن يكمل نصف دينه، النصف الثاني هو الأهم، لا يهم نصف دينه الأول.

من يقر بأنه وإياها لهما ذات الرغبات والشهوات والأمنيات، وذات المجتمع؟

متى سنستأصل هذه الزائدة الفكرية الملتهبة من خاصرة المجتمع؟

مجتمع بحرفية شرقية مستعارة يكتب النصوص كلها وينصب نفسه المؤلف والناقد، سرد يجري دون وجهة، لا حجج منطقية لحبكته الدرامية، ونهايات مكررة، يصنع الأبطال دون بطولة، كمن يفضّل الحجارة السوداء على رقعة الشطرنج دون سبب، متناسياً أنَّ الحجارة هي ذاتها سوداء أو بيضاء، والرقعة ذاتها، ونهاية الملك هوالهدف ذاته.

وأما هي… حالمة في مهب الزيف، فمن يحترم حُلم أنوثتها وحِلْمَها؟ تعدُّ نجوم الأيام أمام فوهة العمر، وإصرار الأمومة، وإغواء الهرمونات، وسَوْرة حبٍ مشتهى.

تباً للعناق المنتظر بفارغِ النفاق.

 

جلنار

 

كتاباتي

الأم

الأم ليست مدرسة، ولا نبع التضحية، ولا نهر الدموع، هي من خَطفت من تحت ثنايا الطبيعة الهرمة بأمر الغريزة لقب أم.
حتى وان كانت الجنة تحت أقدامها، قد تخطئ و تثور وتتعب…
الام أنثى تهتم بجمالها و عملها وسعيدة بكل ألقابها…
الام امرأة لجمالها عليها حق، و لقلبها عليها حق، و لجسدها عليها حق..
المثالية أسر لا تستحقه
كل عام وأمي صديقتي السيدة الجميلة بألف خير 

 

جلنار

كتاباتي

تكلفة هذا اليوم!

كان يوماً عادياً، الفرح، والغضب، والتعب، والمفاجآت، وحتى الزحام، كلها احداث غير متوقعة، الروتين فقط سيد اليوم ككل الأيام، وكان هو ككل البسطاء لا يتوقع شيئاً.

ثلاث دورات حول نفس المكان لم تكن كافية لأجد موقف جيد لسيارتي، الى ان أشار لي من بعيد، ركنت سيارتي اخيراً في مكان ضيق فنزلت صديقتي الى الدكان او ما نسميه اليوم “السوبرماركت” واضطررتُ للبقاء انتظرها وانتظر أحدهم يخرج لآخذ مكانه و ألحق بها.
شكرته باشارة صامته، فلولاه لما وجدت هذا المكان و ان كان لا يتّسع و إنما أوفى بالغرض، فمشكلة الازدحام و مواقف السيارات كغيرها من مشاكلنا لا حل لها و إنما نجبر ذكاءنا على ان نستمر رغم وجودها ونحتال عليها، عاد يكمل عمله يكنس الشارع، و يجمع كراتين كبيرة خلفتها المحلات التجارية في الشارع ذاته.

كانت ايامه تدور حول عامه الخمسين، يعمل بتثاقل كأن هزيمه ما لحقت به، راقبته خلسة، ليس لأني اهوى المراقبة بل لأن تلك المرآة التي تحذرنا من عدم الاتكال عليها لأن الابعاد من خلالها غير دقيقة او حقيقية، تلك المرآة فاشية الاسرار في زاوية السيارة، كانت تعكس بعدا غير مرئي لهذا الرجل، فلطالما كُشِفت الاسرار لاسباب ظلت مجهوله لاصحابها.

راح يمشي ببطئ شديد الى ان وجد مساحة فارغة يحميها الظل من اصرار شمس آب المشاكسة، وجلس راكيا ظهره الى الخلف، ممسكا بالمكنسة كسيف، كأن استراحته هذه هدنة مع التعب.
أخرج من جيبه شيئا اسودا صغيرا بدا انه هاتف خلوي، نظر اليه، تأمل هاتفه كثيرا قبل أن يتخذ قراره و يرد على المتصل، لم اسمع شئيا فتلك المرآة لا تعكس ابعادا صوتيه، لكن صوته الذي ارتفع و بحدة كان كفيلا بالأمر،
سمعته يقول بتوتر: هل تصدق؟ كلفني اليوم الى الآن ثلاثة دنانير، هل تصدق!
دينار علبة سجائر، ، ودينار غداء، ودينار مواصلات… لا أعلم ماذا أفعل… كلفني هذا اليوم ثلاثة دنانير!
تخلى عن المساحة المظلله التي جلس بها وراح يمشي، ينقر بمكنسته على الأرض و كأنه يعاقبها لأنه دفع ثلاثة دنانير ثمن وجودة على هذه الأرض.

لم أبكِ كامرأة تشهد ضعف رجل، بل شحذت من افكاري استنكارا وانا اسمع خبرا عبر الراديو عن سيدة ناشطة في حقوق الحيوان تدعو الى مظاهرة لحماية حيوانات حيها، وأرى من يخرج من السوبرماركت يحملون اكياسا ثِقَل بُؤس هذا الرجل، كم كلفتهم هذه اللحظات؟

وانا ايضا، “لو كان الفقر رجلا لقتلته”، ولو كان على اي هيئة لقتلته.

اما هو، من احترف عدّ حبات الغبار في الشوارع، بماذا سيقايض الساعات المتبقية من يومه، ان كان قد دفع كل ما يملك مقابل الساعات الماضية؟

استعدت اسرار الموسوعة غير الكاملة للمنطق، لم اجد تفسيرا، غرقت في محيط الدهشة و لم يرحمني موجه الثائر…
وغيمة رمادية محتقنة توارت خلف قلبي تنتظر الجواب…
كم ندفع ثمن أيامنا، مع من نقايضها، وبماذا؟

عادت صديقتي تحمل كيسا وان كان متوسط الثقل الا ان صوت حركته داخل السيارة كان يردد كالصدى: كلفني هذا اليوم ثلاثة دنانير..
ثمن هذا اليوم ثلاثة دنانير…
ثلاثة دنانير…
ثلا…ثة…
دنانير…

جلنار

 

كتاباتي

الرضا غاية تدرك

لأن القهوة قادرة على تغيير مزاج العالم، فهي حتماً قادرة على التحكم بمزاجي أيضا، وحين تملأ رائحة القهوة المكان مضافٌ إليها نكهة حضور أمي، أشعر بموجة سعادة تندفع مسرعة يرميني رذاذها بكل ما هو جميل، وحين أكون بعيدة وترسل أمي لي صورة فنجان قهوتها أضحك، وأشعر أيضا بالسعادة، فقهوتي تصعد إلى الخيال وتعيد ترتيب الواقع ليبدأ نهاري وتنثر الرضا على يومي، أليس الوقت الذي نمضيه في ضيافة فنجان القهوة مع من نحب يهدينا الرضا؟
استنكرت صديقتي مقالاَ قرأته؛ كيف أن حكماء الهند كانوا يطلبون من أولادهم أن يقوموا بعملٍ خيِّر كل يوم دون أن يحددوا ما هو، كمساعدة شخص محتاج، أو دفع أذى. ليس هذا ما توقفت عنده، أكثر ما أثار حفيظة أمومتها أنهم كانوا يعاقبون أطفالهم إن اكتشفوا في نهاية اليوم أنهم أفلتوا فرصة تقديم المساعدة إلى الغير.
ربما كانت أمومتها على حق، لكني رأيت من عاداتهم ما هو أقل جرما وأعظم فعلا من العقاب، هنالك إعجاز فطري يسمى “الرضا”، حكماء الهند كانوا يدربون في الحقيقة أولادهم على بلوغ الرضا عن النفس، عن الروح، الرضا عن ما هم عليه، ليس هناك ما قد يدهشك ويثير رضاك على ما أنت عليه بقدر أن ترى من هو في أشد الحاجة إلى ما اعتقدت أنه من البساطة امتلاكه وكأنه في متناول الجميع.
هذا الإعجاز قادر على إحداث ثورة في روحك، املأ مخزون الرضا، فرضاك عن نفسك ليس مفتاح السعادة، بل مفتاح روحك نحو الإنسانية هو أن ترى أجمل ما لديك وتعكسه على الآخرين، هو قوة لا يمكلها إلا أقوياء النفس والروح.
ليس عليك سوى أن تنظر في ميزان ما تملك، لديك حتما ما قد يرضيك ولا يملكه غيرك، إن كان غيرك أكثر منك مالاً فقد يكون حرم من نعمة النوم، إن كان أكثر منك جمالاً، ربما حرم من نعمة العائلة.
الرضا غاية تدرك بكل ما تعني الكلمة من حب، أليس تبسمك في وجه أخيك صدقة؟ وهل هناك أسهل من حل هذه الشيفرة السحرية.
بدلاً من خربشة التشاؤم على صفحات أفكارنا، لننظر إلى حياتنا من نافذة الرضا فسندرك أنْ ثمة سراَ ما يجمع السعداء، وأكاد أجزم أنه الرضا، وعلينا أن لا نيأس من رحمة أنفسنا على أنفسنا.
يقول آرثر شوبنهاور: “من النادر أن نفكر فيما نملك، بل نحن نفكر فيما ينقصنا”.

جلنار

كتاباتي

الرغبة أخت الوقت

الرغبة أخت الوقت

وتوأم الحقيقة…
هذا ما وشت به البئر وحملتني عبء كتمانه بدلاً منها، فلا شيء يدهشني بقدر الرغبة، أو يخيفني بقدر الوقت.
ثمة رغبات تسبح في محيط العمر دون مرسى وثمة وقت على عجل من أمره، يسافر دون وداع، بلا عودة، حاملا معه وعودا خبيثة دون وفاء متجاهلا كل قرابين الأدعية والأمنيات.
وخلف الوقت والرغبة من يعيش لعنة الانتظار.

جاءني اتصال صديقتي سريعا، التقينا دون ترتيب، دون تفكير، لقاؤنا كان مليئاً بالشوق والثرثرة، كنا نمارس لعبة التسويف ونوهم بعضنا بأننا سنلتقي الأسبوع القادم، وَهمٌ ركض بنا أسبوعا وراء أسبوعٍ، والتقينا بعد سنة ونصف.
أكنّا طوال هذا الوقت على بُعد كلمتين عبر الهاتف؟ أتحتاج رغبة بسيطة كهذه إلى حرب باردة مع الوقت ومباغتة؟ لعلنا فزنا في هذه الجولة والتقينا، ولكن ماذا عن السنة ونصف التي ذهبت إلى الأسر ولابد أن الزمن حكم بإعدامها فلن تعود إلينا.
حاصرتني الأفكار اللوامة، وكلما حاولت أن أجمعها في غرفة بعيدة جداً من تفكيري وأغلق الباب عليها، هاجمتني من جديد وأنّبتني بعنف، كانت تنتصر علي فحجتها أقوى، فأنا من أضعت عدداً لا يحصى من اللقاءات كانت ستمنحني السعادة ذاتها التي شعرت بها حين التقينا، فما كان مني إلا أن أستعجلها ببعض الرأفة.
توصل علماء النفس والباحثون إلى استخلاص أن معظم الناس وفي مرحلة متقدمة من العمر، يشعرون بالندم لعدم تحقيق رغبات كان بإمكانهم تحقيقها لو أسعفتهم قراراتهم وملكوا الشجاعة لتغيير حياتهم، أو اختيار النهج الذي طالما تمنوه، بعض رغباتهم كانت لا تتعدى لقاء أصدقاء، أو تمضية وقت أكثر مع أحبابهم وبناء أسرة، أو حتى ممارسة رياضة أو موهبة، ولأن السنوات الأخيرة هي الأكثر نضجا والأغرب أنها الأكثر صدقا، كان الندم يأسر الأغلبية فتقع في نفس الفخ، والقلة كانت تبدأ من جديد لإيمانها بأن مزيدا من الأيام تعني مزيدا من الفرص.

إن كان تحقيق الحاجات الأساسية يضمن بقاء الإنسان، أفلا يضمن تحقيق الرغبة بقاء الإنسانية وتساميها؟ ما يميز الرغبة أنها مرتبطة بقرار، تجاهلها أو بذل المستحيل لتحقيها إنما هو قرار، وإلا فما الذي دعا الفيلسوف الألماني شوبنهور لأن يتوصل إلى أن “العقل مجرد خادم للرغبة”؟

عيب الوقت أنه لا يملك أدوات تنظمه مثلنا، ليس لديه إشارة مرور ولا لوحة تسمح له بإعادة الالتفاف ليعود إلى نفس الطريق، لعل هيراقليطيس حين نبهنا باستحالة الاستحمام بمياة النهر مرتين، لم يقصد النهر فقط!
إن أقصر طريق لتحقيق رغبتك هي أن تخطو خطوتك الأولى نحوها… الآن…

وإن أبعد طريق إليها هو أن تسرف في التفكير بها، ذلك أن الرغبة تعني أن تملك قوة ترمي بها ذاكرة هزائمك من أعلى قمم النسيان، وتبدأ من جديد، فلا شيء يهزمنا مثل الوقت.

نحن نملك متسعاً من الرغبة والقليل القليل من الوقت.

هناك عند غروب الزمن، تبقى وحيداً مع رغبة كان يمكن أن تتحقق، مع رغبة معلقة على عقرب الوقت…

نحن نحارب الوقت بالتمني، وهو بالتمني يضيع.

هل نلائم رغباتنا وأحلامنا لما لدينا من وقت، أم نلائم ما فاتنا من وقت لأحلامنا؟ وهل من شيء يجمعنا حقا غير أننا ولدنا صدفة في هذا الوقت من تاريخ العالم؟ من يلعب النرد بأقدارنا؟

أسئلة لا تبحث عن إجابات بل عن بعض الوقت.

 

جلنار

كتاباتي

بالتكنولوجيا تبدأ العلاقات

تسللت مسرعة إلى المصعد، وكأن أحداً يزاحمني تماما كما هي حياتنا، كنت أريد أن أصل فورا إلى شقتي في الطابق التاسع والثلاثين، لمَ العجلة؟ لا أعلم، كلنا نريد أن ننجز مهامنا بسرعة، نتبع سرعة الزمن لاهثين.
لم أشعر أبدا بوجود أحد غيري في المصعد، باغتني صوته، وباغتني سؤاله أكثر، سألني عن هاتفي المحمول الجديد، كنت أحمله في يدي، وقد اقتنى لنفسه هاتفا مماثل، وصل إلى طابقه قبلي، لم يودعني جاري بكلمة، لم يتمنَ لي يوما سعيدا، فما جمعنا هو الإصدار الجديد من الهاتف النقال، وليس الجوار، غاب جاري، سريعا أيضاً.
حين وصلت، وقبل أن ألتقط مفتاح الشقة من حقيبتي، تدفقت الرسائل من جديد في مجرى هاتفي وكأن دقيقة من انقطاع الإنترنت في المصعد دهر، تصفحت الرسائل النصية في هاتفي، سعادة، حزن، ولادة، موت، احتفال، عزاء، كل التناقضات في هاتفي، وأنا كالجميع أقدم واجباتي الاجتماعية عبر رسالة يحملها هاتفي وتصل بسرعة فائقة.
أصبح للعلاقات رائحة الرماد منذ انتشرت وسائل التكنولوجيا وشملت حتى تواصلنا مع بعضنا، نكاد لا نحصي عدد الرسائل التي نتواصل بها يوميا دون لهب الحنين، وشعلة الشوق، دون حواس.
نعم، علينا ترتيب حواسنا من جديد، علينا أن نرمم علاقاتنا من جديد، أن نحيي الزيارات، السلام، التصافح، العناق، من جديد، علينا أن نحلل زواج علاقاتنا، ونحرم هذا الزواج الوهمي.
تحاصرك التكنولوجيا؟

تتذمر؟

لا، أنت من تخون عاطفتك وتتحايل عليها، ابدأ بنفسك
في الحب كنا نتغنى برأسنا المرفوع، واليوم أجهزتنا تجبرنا على الانحناء لها لنتابع سرب الكلمات داخل شاشاتها.
غطيت ذلك اللقاء بغطاء النسيان، لا أذكر منه سوى لون هاتف الشاب النقال، هل كان اللون الفضي أجمل أم كنت صائبة في اختيار الذهبي؟ أذكر أيضا أنه كان في “المصعد” أحد أبناء التكنولوجيا.
إذا كان “أحد الاستخدامات العظيمة للكلمات هي أنها تخفي الأفكار” على حد قول فولتير، فكيف إذا اختفى معها صدى دقات القلب، لهفة العيون، رعشة اللمسات، موسيقى الأنفاس؟
فولتير إذاً على حق: “إن الذين يجعلونك تعتقد بما هومخالف للعقل، قادرون على جعلك ترتكب الفظائع”
لماذا أصبحنا نكبل الحب بأجهزة الهواتف؟
أهذا حقا ما آلت إليه علاقاتنا؟
بالتكنولوجيا تبدأ العلاقات، بالتكنولوجيا تنتهي العلاقات!

جلنار