كتاباتي

تمرّدي على نرجس

قال لي: لقاؤنا الأول كان على البحر، جذبني حديثها، شعرت أنها تملك من الثقافة ما يفوق اتساع البحر، حين دلفنا إلى حديث الشعر لم تختصر المتنبي في بيت الشعر ذاته “الخيل والليل والبيداء تعرفني”، وكأن من ظن أنه نبيّ لم يوحَ إليه إلا ببيت شعر واحد نردده جميعاً كلما ذكر اسم المتنبي.
“سجل أنا عربي” ليس فقط ما تحفظه لدرويش، وحين تحن إلى الوطن لا تقتصر قصائدها على “موطني”… قالت لي مالم أعرف أوأسمع به من قبل
أدهشني حوارها
ومنذ تلك اللحظة أخذت تلابيب قلبي واحتفظت بها إلى الأبد، لم تستأذني حتى، شعرت بأن الحضارة والتاريخ يجتمعان في امرأة واحدة، أشعَلت الصيف في قلبي وقد استقَر برد الشتاء بي منذ زمن.
تساءَلْتُ: جميلة؟ لم يذكر أبداً إن كانت جميلة، عاصفة الغزل لم تطل جمالها، وكأن اللغة لا تحتوي كلمة واحدة تصف الجمال، وكأن ذاكرة الحب خالية أيضاً لم تقوَ على حفظ أي وصف.
وما يهم إن كانت جميلة!

نرسيس كان جميلا وجماله لا يقاوم، ولكنه كان أعمى لم يرَ على سطح الماء الصافي سوى انعكاس وجهه الجميل، كان عاشقا منبوذا حُرِمَ من نعمة الحب ومات بسبب جماله.

إيكو حورية فائقة الحسن أحبت نرسيس، اشتهرت بحديثها الساحر والشيق، حين عاقبتها الآلهة لم تسلبها جمالها بل سلبت منها جمال حديثها وقدرتها على الكلام وأصبحت كالصدى تردد العبارات الأخيرة التي ينطق بها المتحدث أمامها.

قال صديقي: كانت جميلة كلوحة أردد في كل لحظة ما تحمله من معانٍ وكأني أتحضر لامتحان صعب من سؤال واحد، كثيرة هي اللوحات التي التقيت بها، فارغة، ألوان دون أي دلالة.

لا تجعلي كمين الجمال يأسرك فلن تتحرري منه مهما عظمت جيوشك، فأسره أقوى وسره في داخلك أنتِ فقط.

يحضرني قول درويش: “أحببتك مرغما ليس لأنك الأجمل بل لأنك الأعمق فعاشق الجمال في العادة أحمق”.

ازرعي النرجس على ضفاف قلبك وزيّني به روحك ولا تسكنيه جوفك.

في كل مرة تنتصر الروح على الجمال، فكوني أكثر جمالا وكوني فاتنةً، آسرةً، ملهمةً بما تبوحين، دعيه يراك فقط حين تتكلمين، كوني كلمة تنتهي متى تشائين وزيديه تورطا كلما وهبته حرفا.

جلنّار

كتاباتي

“دقيقتا كراهية”

في رواية 1984 للكاتب البريطاني جورج أورويل كان أبطال الرواية يجتمعون لممارسة طقوس “دقيقتي كراهية”. حين كانت تظهر على شاشة الرصد صورة (غولدشتاين) الخائن الذي تمرد على الحزب ويعمل بأمر أسياده الأجانب ويقدمون له التمويل اللازم لتمرده، حينها كانت تبدأ ممارسة “دقيقتي الكراهية”، تحديدا حين يبدأ بإلقاء خطابه ضد مبادئ الحزب الحاكم، تتعالى أصوات السيدات بالصراخ، سيل شتائم، دعوات، غضب، وكالعدوى تنتقل هذه الحالة إلى كل من حضر، لا يقاوم من يرى هذا المشهد، لا بد أن يكون جزءاً منه، دون إرادة، كنشوة الانتقام والنصر، يمارس الكراهية.
لم يكن يسمعهم بالتأكيد، ولكنهم مارسوا حرية التعبير عن كراهيتهم لخائن الوطن.
جدتي كانت تمارس “دقيقتي الكراهية ” أيضاً، بل أكثر من دقيقتين، أثناء الانتفاضة الثانية مع كل نشرة أخبار، كلما ظهر (شارون) على الشاشة، كانت تبدأ بالشتائم والدعوات، وكلما طالت نشرة الأخبار، وكلما زادت مشاهد الدمار، كانت جدتي تقترب أكثر من الشاشة ويرتفع صوتها، وتقترب أكثر كلما ظهرت صورة (شارون)، هل كانت تعتقد حقاً أنه يسمعها أو ربما يهابها؟ كنا نجتمع أمام الشاشة لمعرفة ما هو جديد الانتفاضة، كم شهيد، كم جريح، كم أسير، ورغم قلقنا ودهشتنا، لم نكن نسمع سوى صوت جدتي ومدافع شتائمها ضد شارون، و كانت تنتقل لنا العدوى أيضا إنما بصمت، فمن يرى ما يحدث عبر الشاشة ويسمع جدتي لا يملك إلا أن يفعل مثلها.

في علم النفس، المشاعر سلبية كانت أم إيجابية لاتختفي؛ بل هي وزن ثقيل على كاهل عواطفنا، وعليك أن تحمي نفسك منها، وتقيها من عوارض أزمات نفسية، حتى وإن كتبتها على ورقة وأهديتها للريح، لا تكتبها، بل قلها، ولا تخف من ردة فعل الآخر فهو أيضا لديه ما يقوله لك، تكفيك دقائق لتعبر فيها عن نفسك، اعقد هدنة مع الصمت، وتحرّر…

هل هناك أخطر من مرض الصمت؟

ليكن لك لقاء يومي مع البوح
“دقيقتا كراهية” كل يوم، صارح من أزعجك بكلمة أو موقف، واطوِ تلك الصفحة بعدها، و دَع ذاكرتك تتخلى عنه
وبعدها “دقيقتا حب”، قل لمن تحب كم تحبه ولماذا، بتلقائية وابتسامة عاشق.
أربع دقائق فقط، كلمات قليلة، كافية لتحدث فرقا كبيرا في نفوسنا، لِمَ لا، أليست الطبيعة تعبر عن ذاتها، مطر السماء واكتمال القمر وغضب الشمس، أليست الطبيعة حب وكراهية؟ ونحن أبناء هذه الطبيعة أولى بشعاب مشاعرها.
و إذا لم نستطع، فقد صدق مارك توين حين قال: ” لقد منّ الله علينا بثلاث: حرية التعبير وحرية التفكير والمقدرة على عدم تطبيق أي منهما”!

جلنار

كتاباتي

يوم في سماء عربي

أجبت

هي كالغاديات، كالهاربات
كالراهبات، كالراغبات
كالصائمات، كالغانيات
كالخيانة، كالحلم بالوفاء
كأحجار الشطرنج، كالألوان
كأخضر الشجر، كالتراب
كسماء بيضاء، كبحر أسود
كصوت الريح، كالصمت
كعناق الشفاه، كالفراق
كمدينة الموت، كأجمل حياة
كحلم يتحقق، كالسراب
كرجل صادق، وككل الرجال
كالولادة، كالشهادة
كالنور، كحلول القمر
كتغريد العندليب، كالزحام
كإدمان الذاكرة للماضي، كالنسيان
كالبداية، كالخيبة
كأول الحب، كالرماد
كقهوة أمي، كالغربة
كالمدينة الفاضلة، كديستوبيا
كأمنية
كامراة بعد سحابة مطر
كالتوبة، كالفاحشة
كغيبة آب، كعودة نيسان
كامرأة غابت في حضن المطر، كرجل مات من الضجر

كرحمة الله

وككل التناقضات؛ أمازلت تسألني، كيف هي الحياة في بلدك؟ هكذا هو يومنا في الوطن العربي.

جلنار