يوميات حسنى

حُسنى والمرآة

وقفت حُسنى أمام المرآة الطويلة قبل أن تخرج.

رأت صورة هادئة، مكتملة، لا تحتاج تدخّلًا. ثياب متناسقة، ألوان تعرف مكانها، وملامح اعتادت أن تظهر كما ينبغي.

هكذا يراها الجميع؛ امرأة لا تثير الأسئلة، ولا تستدعي القلق، ويُقال عنها بسهولة إنها ناضجة، متزنة، وتعرف ما تفعل.

ومع ذلك، شعرت بغربة خفيفة تسلّلت إليها فجأة. اقتربت من الزجاج البارد، حدّقت في عينيها أطول من المعتاد، وسألت نفسها بهدوء لم تعهده: هل هذه أنا حقًا؟

تذكّرت معلومة قديمة عن خدعة المرايا: أن المرآة لا ترينا وجوهنا كما يراها الآخرون، بل كما اعتدنا نحن أن نراها. صورة مقلوبة، تتبدّل فيها الجهات، ثم تتحوّل، مع الوقت، إلى ما نصدّقه ونطمئن إليه.

ابتسمت بسخرية خفيفة. ربما لم تكن المشكلة في الزجاج، بل في الألفة. فالمرآة لا تقلب الملامح فقط، بل تعيد إلينا نسخة نرتاح لها… لا نسخة كاملة.

الوجه في المرآة بدا مطمئنًا، مألوفًا، ومتدرّبًا على الظهور كما ينبغي. لم يكن وجهًا ناقصًا، ولا صورة مبتورة؛ بل وجهًا مكتملًا، تشكّل عبر سنوات من التعلّم والمراقبة والتكيّف.

هذا هو الوجه الذي يعرف متى يهدأ، ومتى يضبط انفعاله، ومتى يبدو “مناسبًا” للسياق والعمر والمكان. لكنه، في اكتماله هذا، كان يخفي سؤالًا بسيطًا لم يجد مكانه بعد: لماذا يُنظر إلى الوقار كأنه الشكل الوحيد المقبول للنضج عند عمرٍ معيّن؟

ما في داخل حُسنى لم يكن جريحًا، ولا حزينًا، ولا بحاجة إلى إصلاح. لم يكن “الطفل الداخلي” بالمعنى الذي يُقدَّم عادةً بوصفه أثرًا لصدمة أو خللٍ قديم، بل شيئًا مختلفًا تمامًا.

كان طفلًا داخليًا بمعنى آخر؛ طاقة حيّة لم تجد مكانها بعد. رغبة في الحركة، في التجربة، في أن تكون أقل التزامًا بالصورة النمطية، وأكثر صدقًا مع الشعور في داخلها. رغبة في الركض بدل المشي، في اختيار لون “غير مناسب” بلا سبب، وفي الضحك في وقتٍ يتطلّب الصمت، دون الحاجة إلى تقديم مبرّرات.

أدركت أن المرآة ليست كاذبة، بل ناقصة. تعكس ما استقرّ، وتغفل عمّا يتحرّك. تُعيد إليها الصورة التي اعتادت رؤيتها، لكنها لا ترى الروح التي ما زالت تمدّ يدها للأرجوحة؛ لا لتدفع الأطفال، بل لتصعد وحدها.

مدّت حُسنى يدها ولمست سطح المرآة، ثم سحبتها ببطء. عدّلت ياقة قميصها، ونظرت إلى صورتها نظرة أخيرة، كأنها تقول في سرّها: أعرفك، لكنك لستِ كلّي.

ثم خرجت، وهي تفكّر بهدوء أن القميص ذو اللّون الصاخب، الذي كانت تؤجّل شراءه بحجة “السنّ”، لم يعد فكرة سخيفة، بل احتمالًا مؤجّلًا… قد يحين وقته.

يوميات حُسنى

ورقة معلّقة

لم تكن حُسنى تخاف من المحكمة. الخوف كلمة أكبر مما شعرت به. لكنها كانت تعرف، منذ الصباح، أن هذا المكان سيأخذ منها شيئًا، حتى لو خرجت منه منتصرة على الورق.

ذهبت إلى الجلسة النهائية. «النهائية»… كلمة تُقال بسهولة، كأن ما قبلها لم يكن عمرًا كاملًا.

لم تره منذ عام. عامٌ كاملٌ من القطيعة والصمت. ومع ذلك، حين جلست على المقعد الخشبي البارد، شعرت به حاضرًا أكثر مما توقعت.

اشتاقت إليه. باغتتها الحقيقة، وفوجئت بنفسها. ومن قال إن الاشتياق يشترط بقاء الودّ؟ هناك مشاعر لا تموت بقرار قضائي؛ فقط تنسحب إلى زاوية قصيّة داخلنا، وتصمت.

كانت تراقب من نافذة صغيرة مشهدًا لا علاقة له ببرودة المكان؛ عصفوران صغيران يقفان على حافة الحديد، متقاربين، هادئين، كأن ضجيج المحكمة لا يعنيهما. وجودهما خفّف شيئًا في صدرها. لم تعرف ماذا، لكنها تنفست بعمق.

ثم سمعت وقع خطواته. لم تكن بحاجة لأن تلتفت. عرفت أنه وصل. ميّزت إيقاع مشيته من بين عشرات الخطوات، كما لو أن هذا الإيقاع لم يغادرها يومًا.

همس لها محاميها بصوت محايد: «اليوم ستأخذين حريتك». تساءلت في سرّها: متى صار الزواج قيدًا؟ ومتى صار الحب شِباكًا؟ ولماذا يتحدثون عن العلاقات بلغة السجون، وكأن نهاية السنين المشتركة بينما يمكن اختصارها في كلمة «حرية»؟.

اقترب. صار بقربها، ولم تعد تسمع خطواته، بل أنفاسه. جلست متيبّسة. أنفاسه لم تتغيّر. حتى هي… لها صوتٌ تعرفه.

جلس بقربها، ولم يلقِ التحية. لم تغضب. تمنّت فقط لو يلتفت، لو ينظر في عينها ولو لثانية واحدة، لو يقول أي شيء يكسر هذا الجليد. كانت تريد عناقًا؛ ليس عناق رجوع، ولا محاولة أخيرة، بل عناق وداع، كأن الجسد يريد أن يضع نقطة أخيرة حيث يعجز الكلام.

ما إن استقرّ جسده على الكرسي، حتى فزع العصفوران وطارا. تفرّقا فجأة، كما لو أن يدًا خفية صفقّت لهما. فهمت الرسالة: حتى الكائنات الهشّة تعرف متى يجب أن ترحل. مرّت الجلسة أسرع مما توقعت؛ كلمات رسمية، أختام، تواقيع، ونهاية.

وقف، أدار ظهره، وغادر. لفحها نَفَسُه للمرة الأخيرة، كأن الهواء أراد أن يحتفظ بشيء من رائحته قبل أن يغيب.

طلب منها المحامي الانتظار في القاعة الخارجية لاستلام الورقة. دخلت القاعة؛ رجال غرباء، دخان كثيف، وأصوات عالية متداخلة. فجأة، شعرت بعدم الأمان. عارمةً كانت وحشتها.

تذكّرته. تذكرت كيف كان يقف بجانبها في الأماكن المزدحمة، يحوطها بكتفه، يحمي المساحة حولها تلقائيًا، حتى وهما في أشد لحظات الخصام. كانت متأكدة أنه سيلاحظ ارتباكها الآن، سيأتي، سيقف معها، على الأقل حتى تستلم الورقة وينتهي كل شيء.

التفتت نحو الباب بقلبٍ يرتجف. وحين رأته، توقّف الزمن لحظة. التقت عيناهما. هذه المرة، لم يكن بينهما زجاج، ولا محامون، ولا منصة قضاء.

ارتبكت. أرادت أن تبتسم، أن تقول له بعينيها: «أعرف أنك لن تتركني وحدي وسط هذا الزحام، ليس الآن». أرادت أن تصرخ: «ورقة واحدة، حتى لو كُتب فيها (طلاق)، لا تستطيع أن تمحو كل ما كان».

لكنها لم تقل شيئًا، فقد رأت عينيه تعبرانها، تخطّتها نظراته كأنها فراغ، كأنها لم تكن هناك. ثم رأته يمضي، يغادر القاعة، ويغيب.

في تلك اللحظة فقط، سقط كل شيء. 

شعرت بنقرٍ باردٍ يسري في جسدها، وبشيء أثقل، وأكثر وضوحًا من أي وقت مضى. أدركت أن العلاقات لا تنتهي حين نوقّع الأوراق، بل تنتهي تمامًا حين يختار أحدهم، بملء إرادته، ألّا يلتفت.

يوميات حسنى

‎⁨حُسنى تفرغ حقيبتها⁩

كأن العام يضع وزنه الأخير على كتفي حُسنى قبل أن يرحل.

العالم من حولها يستيقظ فجأة متحمّسًا أكثر من اللازم،
يلوّح بقوائم طويلة، ووعودٍ أكبر من الأيام نفسها.

أما هي، فجلست على الأريكة الرمادية الباهتة، وحقيبة يدها أمامها.
تلك التي تحملها كل يوم، دون أن تتذكّر متى صارت ثقيلة إلى هذا الحد.

فتحتها،
وأخرجت الأشياء واحدةً واحدة: إيصالًا قديمًا، قلمًا لا يكتب، عطرًا غابت رائحته.
أشياء بلا فائدة، لكنها بقيت هناك، فقط لأنها اعتادت وجودها.

توقّفت.

نظرت إلى الحقيبة، ثم إلى حياتها.
أليس هذا ما تفعله منذ سنوات؟

تحمل ما لا تحتاجه، وتؤجّل التخلّي عنه،
حتى تنحني دون أن تنتبه.

قرّرت هذا العام ألّا تضيف شيئًا.
لا هدفًا جديدًا، ولا وعدًا كبيرًا،
ولا نسخةً محسّنة من نفسها.

هذا العام، ستتخفّف.

لم تكتب قائمة أمنيات.

كتبت فقط:
أشياء لن تحملها حسنى معها بعد الآن.

ذلك الفستان الذي ينتظر “يومًا ما”.
الصمت الذي تبتلعه كي لا تُتعب أحدًا.
والاعتقاد بأنها يجب أن تكون أقوى دائمًا،
وأهدأ دائمًا،
وممتنّة… مهما أثقلها الحمل.

أغلقت الحقيبة بعد أن أفرغتها مما لا يلزم.

وقفت أمام المرآة.

لم يتغيّر شكلها؛
لم تصبح أخفّ وزنًا،
ولا أكثر إشراقًا.

لكنها شعرت بشيء مختلف،
كما لو أن كتفيها تذكّرا وضعهما الطبيعي.

ابتسمت.

وفهمت أن التخفّف، أحيانًا،

هو القرار الأكثر شجاعة.

يوميات حُسنى

حُسنى تسأل: لماذا اختبأت أمّي في الحمّام؟

استيقظت حُسنى متعبة، كأن الليل لم يمنحها حقّها الكامل منه. لم يعد النوم الآن خيارًا يمكن اقتناصه، حتى لو توسّلت إليه بمنحها دقائق إضافية.

كانت الشمس قد تسلّلت بشعاع استقرّ على جفنيها.

اليوم طويل، طويل أكثر مما تحتمل: عمل، مديرها المتسلّط، ثم مدرسة، واجبات، أنشطة، رياضات، وأسئلة لا تنتهي.

وقبل كل ذلك، تحتاج إلى شيء واحد فقط.

فنجان قهوة. لا أكثر.

قهوة تُشرب بهدوء.

من دون صوت.

من دون مقاطعة.

أعدّت قهوتها، وحين بدأت رائحتها تتسلّل إلى رأسها، شعرت أن وعيها يستيقظ أخيرًا.

حملت الفنجان معها، وانسحبت بخفّة، قبل أن يسألها أحد: إلى أين تذهبين وفنجانك بيدك؟

ماذا ستخبرهم؟

أنها تريد فقط أن تشربه بهدوء؟

ومن سيفهم رغبة كهذه؟

في الحمّام، وضعت فنجانها على سلّة الغسيل.

وهناك، رأت شيئًا آخر.

دخانًا كثيفًا، ودوائر رمادية تتشكّل أمام عينيها.

هي لا تدخّن، بل طوال حياتها كرهت رائحة الدخان.

ومع ذلك، كانت الصورة واضحة، ثم تلاشت سريعًا، كما تأتي الذكريات المفاجئة.

ارتشفت قهوتها ببطء.

الهدوء الذي طلبته لم يكن كاملًا؛ فالأصوات، وعراك الأولاد، ما زالا يصلان من الخارج، لكن هذا كان استحقاقًا صغيرًا قرّرت ألا تتنازل عنه.

في تلك اللحظة فقط، فهمت.

تذكّرت أمّها.

كل صباح، وسيجارتها بيدها، وتسلّلها السريع إلى الحمّام.

كم ألحّت عليها بالسؤال وهي صغيرة:

لماذا تأخذين سيجارتك معك إلى الحمّام؟

لم تعرف الجواب حينها.

ضحكت.

عرفته الآن.