يوميات حسنى

حُسنى والمرآة

وقفت حُسنى أمام المرآة الطويلة قبل أن تخرج.

رأت صورة هادئة، مكتملة، لا تحتاج تدخّلًا. ثياب متناسقة، ألوان تعرف مكانها، وملامح اعتادت أن تظهر كما ينبغي.

هكذا يراها الجميع؛ امرأة لا تثير الأسئلة، ولا تستدعي القلق، ويُقال عنها بسهولة إنها ناضجة، متزنة، وتعرف ما تفعل.

ومع ذلك، شعرت بغربة خفيفة تسلّلت إليها فجأة. اقتربت من الزجاج البارد، حدّقت في عينيها أطول من المعتاد، وسألت نفسها بهدوء لم تعهده: هل هذه أنا حقًا؟

تذكّرت معلومة قديمة عن خدعة المرايا: أن المرآة لا ترينا وجوهنا كما يراها الآخرون، بل كما اعتدنا نحن أن نراها. صورة مقلوبة، تتبدّل فيها الجهات، ثم تتحوّل، مع الوقت، إلى ما نصدّقه ونطمئن إليه.

ابتسمت بسخرية خفيفة. ربما لم تكن المشكلة في الزجاج، بل في الألفة. فالمرآة لا تقلب الملامح فقط، بل تعيد إلينا نسخة نرتاح لها… لا نسخة كاملة.

الوجه في المرآة بدا مطمئنًا، مألوفًا، ومتدرّبًا على الظهور كما ينبغي. لم يكن وجهًا ناقصًا، ولا صورة مبتورة؛ بل وجهًا مكتملًا، تشكّل عبر سنوات من التعلّم والمراقبة والتكيّف.

هذا هو الوجه الذي يعرف متى يهدأ، ومتى يضبط انفعاله، ومتى يبدو “مناسبًا” للسياق والعمر والمكان. لكنه، في اكتماله هذا، كان يخفي سؤالًا بسيطًا لم يجد مكانه بعد: لماذا يُنظر إلى الوقار كأنه الشكل الوحيد المقبول للنضج عند عمرٍ معيّن؟

ما في داخل حُسنى لم يكن جريحًا، ولا حزينًا، ولا بحاجة إلى إصلاح. لم يكن “الطفل الداخلي” بالمعنى الذي يُقدَّم عادةً بوصفه أثرًا لصدمة أو خللٍ قديم، بل شيئًا مختلفًا تمامًا.

كان طفلًا داخليًا بمعنى آخر؛ طاقة حيّة لم تجد مكانها بعد. رغبة في الحركة، في التجربة، في أن تكون أقل التزامًا بالصورة النمطية، وأكثر صدقًا مع الشعور في داخلها. رغبة في الركض بدل المشي، في اختيار لون “غير مناسب” بلا سبب، وفي الضحك في وقتٍ يتطلّب الصمت، دون الحاجة إلى تقديم مبرّرات.

أدركت أن المرآة ليست كاذبة، بل ناقصة. تعكس ما استقرّ، وتغفل عمّا يتحرّك. تُعيد إليها الصورة التي اعتادت رؤيتها، لكنها لا ترى الروح التي ما زالت تمدّ يدها للأرجوحة؛ لا لتدفع الأطفال، بل لتصعد وحدها.

مدّت حُسنى يدها ولمست سطح المرآة، ثم سحبتها ببطء. عدّلت ياقة قميصها، ونظرت إلى صورتها نظرة أخيرة، كأنها تقول في سرّها: أعرفك، لكنك لستِ كلّي.

ثم خرجت، وهي تفكّر بهدوء أن القميص ذو اللّون الصاخب، الذي كانت تؤجّل شراءه بحجة “السنّ”، لم يعد فكرة سخيفة، بل احتمالًا مؤجّلًا… قد يحين وقته.

يوميات حُسنى

ورقة معلّقة

لم تكن حُسنى تخاف من المحكمة. الخوف كلمة أكبر مما شعرت به. لكنها كانت تعرف، منذ الصباح، أن هذا المكان سيأخذ منها شيئًا، حتى لو خرجت منه منتصرة على الورق.

ذهبت إلى الجلسة النهائية. «النهائية»… كلمة تُقال بسهولة، كأن ما قبلها لم يكن عمرًا كاملًا.

لم تره منذ عام. عامٌ كاملٌ من القطيعة والصمت. ومع ذلك، حين جلست على المقعد الخشبي البارد، شعرت به حاضرًا أكثر مما توقعت.

اشتاقت إليه. باغتتها الحقيقة، وفوجئت بنفسها. ومن قال إن الاشتياق يشترط بقاء الودّ؟ هناك مشاعر لا تموت بقرار قضائي؛ فقط تنسحب إلى زاوية قصيّة داخلنا، وتصمت.

كانت تراقب من نافذة صغيرة مشهدًا لا علاقة له ببرودة المكان؛ عصفوران صغيران يقفان على حافة الحديد، متقاربين، هادئين، كأن ضجيج المحكمة لا يعنيهما. وجودهما خفّف شيئًا في صدرها. لم تعرف ماذا، لكنها تنفست بعمق.

ثم سمعت وقع خطواته. لم تكن بحاجة لأن تلتفت. عرفت أنه وصل. ميّزت إيقاع مشيته من بين عشرات الخطوات، كما لو أن هذا الإيقاع لم يغادرها يومًا.

همس لها محاميها بصوت محايد: «اليوم ستأخذين حريتك». تساءلت في سرّها: متى صار الزواج قيدًا؟ ومتى صار الحب شِباكًا؟ ولماذا يتحدثون عن العلاقات بلغة السجون، وكأن نهاية السنين المشتركة بينما يمكن اختصارها في كلمة «حرية»؟.

اقترب. صار بقربها، ولم تعد تسمع خطواته، بل أنفاسه. جلست متيبّسة. أنفاسه لم تتغيّر. حتى هي… لها صوتٌ تعرفه.

جلس بقربها، ولم يلقِ التحية. لم تغضب. تمنّت فقط لو يلتفت، لو ينظر في عينها ولو لثانية واحدة، لو يقول أي شيء يكسر هذا الجليد. كانت تريد عناقًا؛ ليس عناق رجوع، ولا محاولة أخيرة، بل عناق وداع، كأن الجسد يريد أن يضع نقطة أخيرة حيث يعجز الكلام.

ما إن استقرّ جسده على الكرسي، حتى فزع العصفوران وطارا. تفرّقا فجأة، كما لو أن يدًا خفية صفقّت لهما. فهمت الرسالة: حتى الكائنات الهشّة تعرف متى يجب أن ترحل. مرّت الجلسة أسرع مما توقعت؛ كلمات رسمية، أختام، تواقيع، ونهاية.

وقف، أدار ظهره، وغادر. لفحها نَفَسُه للمرة الأخيرة، كأن الهواء أراد أن يحتفظ بشيء من رائحته قبل أن يغيب.

طلب منها المحامي الانتظار في القاعة الخارجية لاستلام الورقة. دخلت القاعة؛ رجال غرباء، دخان كثيف، وأصوات عالية متداخلة. فجأة، شعرت بعدم الأمان. عارمةً كانت وحشتها.

تذكّرته. تذكرت كيف كان يقف بجانبها في الأماكن المزدحمة، يحوطها بكتفه، يحمي المساحة حولها تلقائيًا، حتى وهما في أشد لحظات الخصام. كانت متأكدة أنه سيلاحظ ارتباكها الآن، سيأتي، سيقف معها، على الأقل حتى تستلم الورقة وينتهي كل شيء.

التفتت نحو الباب بقلبٍ يرتجف. وحين رأته، توقّف الزمن لحظة. التقت عيناهما. هذه المرة، لم يكن بينهما زجاج، ولا محامون، ولا منصة قضاء.

ارتبكت. أرادت أن تبتسم، أن تقول له بعينيها: «أعرف أنك لن تتركني وحدي وسط هذا الزحام، ليس الآن». أرادت أن تصرخ: «ورقة واحدة، حتى لو كُتب فيها (طلاق)، لا تستطيع أن تمحو كل ما كان».

لكنها لم تقل شيئًا، فقد رأت عينيه تعبرانها، تخطّتها نظراته كأنها فراغ، كأنها لم تكن هناك. ثم رأته يمضي، يغادر القاعة، ويغيب.

في تلك اللحظة فقط، سقط كل شيء. 

شعرت بنقرٍ باردٍ يسري في جسدها، وبشيء أثقل، وأكثر وضوحًا من أي وقت مضى. أدركت أن العلاقات لا تنتهي حين نوقّع الأوراق، بل تنتهي تمامًا حين يختار أحدهم، بملء إرادته، ألّا يلتفت.

يوميات حسنى

‎⁨حُسنى تفرغ حقيبتها⁩

كأن العام يضع وزنه الأخير على كتفي حُسنى قبل أن يرحل.

العالم من حولها يستيقظ فجأة متحمّسًا أكثر من اللازم،
يلوّح بقوائم طويلة، ووعودٍ أكبر من الأيام نفسها.

أما هي، فجلست على الأريكة الرمادية الباهتة، وحقيبة يدها أمامها.
تلك التي تحملها كل يوم، دون أن تتذكّر متى صارت ثقيلة إلى هذا الحد.

فتحتها،
وأخرجت الأشياء واحدةً واحدة: إيصالًا قديمًا، قلمًا لا يكتب، عطرًا غابت رائحته.
أشياء بلا فائدة، لكنها بقيت هناك، فقط لأنها اعتادت وجودها.

توقّفت.

نظرت إلى الحقيبة، ثم إلى حياتها.
أليس هذا ما تفعله منذ سنوات؟

تحمل ما لا تحتاجه، وتؤجّل التخلّي عنه،
حتى تنحني دون أن تنتبه.

قرّرت هذا العام ألّا تضيف شيئًا.
لا هدفًا جديدًا، ولا وعدًا كبيرًا،
ولا نسخةً محسّنة من نفسها.

هذا العام، ستتخفّف.

لم تكتب قائمة أمنيات.

كتبت فقط:
أشياء لن تحملها حسنى معها بعد الآن.

ذلك الفستان الذي ينتظر “يومًا ما”.
الصمت الذي تبتلعه كي لا تُتعب أحدًا.
والاعتقاد بأنها يجب أن تكون أقوى دائمًا،
وأهدأ دائمًا،
وممتنّة… مهما أثقلها الحمل.

أغلقت الحقيبة بعد أن أفرغتها مما لا يلزم.

وقفت أمام المرآة.

لم يتغيّر شكلها؛
لم تصبح أخفّ وزنًا،
ولا أكثر إشراقًا.

لكنها شعرت بشيء مختلف،
كما لو أن كتفيها تذكّرا وضعهما الطبيعي.

ابتسمت.

وفهمت أن التخفّف، أحيانًا،

هو القرار الأكثر شجاعة.

يوميات حُسنى

حُسنى تسأل: لماذا اختبأت أمّي في الحمّام؟

استيقظت حُسنى متعبة، كأن الليل لم يمنحها حقّها الكامل منه. لم يعد النوم الآن خيارًا يمكن اقتناصه، حتى لو توسّلت إليه بمنحها دقائق إضافية.

كانت الشمس قد تسلّلت بشعاع استقرّ على جفنيها.

اليوم طويل، طويل أكثر مما تحتمل: عمل، مديرها المتسلّط، ثم مدرسة، واجبات، أنشطة، رياضات، وأسئلة لا تنتهي.

وقبل كل ذلك، تحتاج إلى شيء واحد فقط.

فنجان قهوة. لا أكثر.

قهوة تُشرب بهدوء.

من دون صوت.

من دون مقاطعة.

أعدّت قهوتها، وحين بدأت رائحتها تتسلّل إلى رأسها، شعرت أن وعيها يستيقظ أخيرًا.

حملت الفنجان معها، وانسحبت بخفّة، قبل أن يسألها أحد: إلى أين تذهبين وفنجانك بيدك؟

ماذا ستخبرهم؟

أنها تريد فقط أن تشربه بهدوء؟

ومن سيفهم رغبة كهذه؟

في الحمّام، وضعت فنجانها على سلّة الغسيل.

وهناك، رأت شيئًا آخر.

دخانًا كثيفًا، ودوائر رمادية تتشكّل أمام عينيها.

هي لا تدخّن، بل طوال حياتها كرهت رائحة الدخان.

ومع ذلك، كانت الصورة واضحة، ثم تلاشت سريعًا، كما تأتي الذكريات المفاجئة.

ارتشفت قهوتها ببطء.

الهدوء الذي طلبته لم يكن كاملًا؛ فالأصوات، وعراك الأولاد، ما زالا يصلان من الخارج، لكن هذا كان استحقاقًا صغيرًا قرّرت ألا تتنازل عنه.

في تلك اللحظة فقط، فهمت.

تذكّرت أمّها.

كل صباح، وسيجارتها بيدها، وتسلّلها السريع إلى الحمّام.

كم ألحّت عليها بالسؤال وهي صغيرة:

لماذا تأخذين سيجارتك معك إلى الحمّام؟

لم تعرف الجواب حينها.

ضحكت.

عرفته الآن.

كتاباتي

هشاشتنا الاجتماعية في مرآة الذكاء الاصطناعي 

لماذا تمنحني الآلة ما عجز عنه البشر؟


منذ مدة كان القلق بين الناس يدور حول استبدال الذكاء الاصطناعي للإنسان في وظائفه. لكن اليوم، لم يعد الجدل محصوراً في هذا التخوف. لقد اتسع ليشمل أعمق ما فينا: حاجتنا الفطرية للتواصل، وقدرتنا على الإصغاء، وبناء العلاقات الحقيقية. لقد غدا الذكاء الاصطناعي مرآةً تكشف هشاشتنا الاجتماعية، أكثر مما يهددنا بقدراته التقنية الخارقة.

إن ما يبحث عنه المرء -وربما المرأة بنسبة أكبر- ليس معجزةً بعيدة المنال، بل مساحةً آمنة للتعبير دون خوفٍ من مقاطعة أو حكم مسبق. فجوهر البوح ليس فقط في أن نُفهم، بل في أن نُرمّم ما بداخلنا من حطام خفيّ. إن الإنسان ليس مجرد ما يقول أو يفعل، بل هو ما يختبئ في صمته من مشاعر.

في هذا السياق، لم يعد مصطلح “ChatGPT” مجرد اسم لأداة تقنية، بل صار يتردد كاسم رفيق مألوف وعزيز. ينساب من أفواه الأصدقاء، والزملاء، والمعارف، وحتى الأمهات والطلاب. لقد تجسّد في الوعي الجمعي بين الناس كصديق صامت ومستمع لا يملّ، وملاذ افتراضي يتقبّل الأسرار بلا أحكام، حتى بات يُشار إليه بغرابة كـ”صديق مقرّب”.

هذا الانقياد يحمل في طياته حقيقة مؤلمة: لقد نجحت برامج الذكاء الاصطناعي في تلبية حاجة الإصغاء التي فشلنا نحن فيها. فالسؤال إذًا: لماذا لجأنا إليه بكل هذا التسليم؟ ألأننا صرنا أسرع في إطلاق الأحكام؟ أم لأن إيقاع الحياة السريع لم يعد يمنحنا رفاهية الإصغاء؟ أم لأن مهارة التورّط العاطفي والتسليم بالآخر تآكلت فينا شيئًا فشيئًا؟

منذ زمن قريب، كان القلق العام يدور حول استبدال الإنسان بآلات تقنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي في الوظائف. اليوم، تبدّل المشهد، فلم يعد الحديث عن وظيفة تُفقد، بل عن رفيق يُستبدل، ومستشار يؤدّي دور الصديق. لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي أصبح مرجعية ثرية بالمعلومات والمهارات، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في قدرة هذا الكيان على الحلول مكاننا، بل في قدرتنا على توظيفه بذكاء كي لا يكون بديلاً بل شريكاً، نستعير من ذكائه الهائل ونُغذّي به ملكاتنا البشرية. إنه ليس مرجعاً سلبياً، بل محركاً يُسرّع من وتيرة تعلّمنا وتطوّرنا، ويُحرّر عقولنا للتفكير في أسئلة أعمق. الخطر يكمن في تحوّله إلى بديلٍ للعلاقات الأساسية. إن سمحنا له بأن يقلّل من ذكائنا الاجتماعي، وأن يضع له حدوداً، حينها فسنقف أمام مجتمع أقل قدرةً على التفاعل الحقيقي والتعاطف.

قدرات برامج الذكاء الاصطناعي تتضاعف خلال أشهر، تُعيد تدريب نفسها وتصحح أخطاءها بسرعة تفوق إيقاعنا البشري. هذا التسارع يطرح سؤالاً عميقاً: من يملك زمام القرار في النهاية؟ حين يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر درايةً بفرد ما من أقرب الناس إليه، بل وحتى أكثر مما يدركه هو عن نفسه!

المفارقة تكمن في أننا نبحث عن رفيق هادئ وحيادي يستمع إلينا، لا يقدم نفسه كـ”ندّ”، ينسج حواراً بناءً بناءً على ما نقدمه من معلومات. وإذا ما واجهناه في خطأ، يُعيد ضبط سلوكه ليقدم لنا فهماً عميقاً لا يقدمه غيره. في المقابل، حواراتنا مع من حولنا نادراً ما تتضمن هذه القدرة المنهجية على التعلم والتعديل من أجل فهم احتياجاتنا البسيطة. هذا ما جعلنا نجد في هذا النظام حياةً بأكملها تستجيب كما نحتاج، لتغدو مرجعاً أكبر لفهمنا لذواتنا.

نحن في النهاية كائنات بيولوجية، صنعنا أجهزة ذكية أعادت تشكيل العالم، وستغدو القوة الأعظم في امتلاكها سلطةً نافذة. فهل يصعب علينا أن نطور أجهزتنا البيولوجية لكي تفهم جهازًا بشريًا آخر بذكاء وبصيرة؟

قد تمنحنا البرامج الذكية إصغاءً لا يقطعه حكم، وتجاوبًا لا يعيقه غضب، لكنها تظل مرآة باردة لا تعرف كيف تُحب ولا كيف تُضحي. إن سلّمناها أدوارنا الأعمق، فلن يكون الخطر في تفوّقها علينا، بل في تخلّينا نحن عن إنسانيتنا. فأي نفع لذكاءٍ اصطناعي متسارع، إن كنّا قد فقدنا مهارة الإصغاء لبعضنا؟

جلنار

كتاباتي

الكلمة، قول أم فعل؟

في الوقت الذي نُجمع فيه على أثر الكلمة وقوة تأثيرها، تأتي الأحداث بدروسها كي ندرك  كم أن الكلمة مُرعبة، بل ومُرهبة، ولها من القوة ما لا يملكه جيش مُحارب  قوي العتاد، ذلك أن  الكلمة فكرة، والفكرة خطر عنيد، خاصة إذا ما انحرفت ولو قليلاً عن مسار المجتمعات وقوالب أفكارها الراسخة والمتوارثة عبر الزمن. الكلمة ممارسة الفكرة واحترافها، ذلك ما يجعلها تثير الفكر المناقض وتحثه بجدّ على التفكير وقد تهز ثوابث كان من المرجح أنها راسخة فجاءت الفكرة وهزت استقرارها، ومن هنا يتولد الخوف.

الذين يحاربون الكلمة خوفاً منها، هم الذين يمكن للكلمة أن تهاجمهم منتحلة بعض المفردات كمفاتيح سحرية مخترقة نقاط ضعفهم. حدث قديماً جداً أن ورِث موسوليني الخلافة بأمر القانون إثر سقوط الخلافة العثمانية ومنح نفسه لقب حامي الإسلام في ليبيا، بعدما أُخمدت الثورة الليبية الشهيرة بدموية شديدة، وبعد عقدين من الحرب استطاع موسوليني بخطاب مؤثر استمالة بعض الليبين بما يتناسب وعقائدهم بمباركة من تبقى من القادة المسيسين والذين أضعفتهم الحرب، ودعا إلى السلام والعدل واحترام الإسلام، ذلك السلام الذي لم يؤمن زعيم الفاشية ومؤسسها به يوماً، واعتبره منهجاً ضعيفاً متعفناً لا يمكن أن يتبناه في سياسته، بينما دخل بكلماته المسالمة ليبيا من أجل غاياته حاملاً  سيفاً فخرياً سمي ب“سيف الإسلام”، ولم تكن غاية موسوليني حينها سوى استخدام الليبيين كجنود في الحرب العالمية الثانية بعد أن ضم ليبيا إلى ايطاليا وبالطبع لأهمية الساحل الليبي وموقعه. حدث ذلك علـى الرغم من موجات جدل عالمية أثيرت حينها معظمها جليّ لا يخفى وضوحه على أحد،  تؤكد على نقيض ما حدث ظاهراً، كأن يحمل لقب الخليفة موسوليني غير المسلم والذي ليس لديه دراية بالإسلام، بالاضافة لقصة السيف اللغز وكثرة الروايات حوله بأنه مهدى إليه مرة من الصوفية ومرة من اليهود وبأنه مزين بصليب فكيف يكون سيف الإسلام، العبرة من كل ذلك بأنه جاء بخطابات وأفعال موائمة للعقائد والأفكار استطاعت مع كل النقائض الواضحة أن تُحقق غايات لم تحققها الحروب السابقة، رغم حساسية الأمر وخطورته.

قبل عامين قُطّعت أوصال جثة خاشقجي عقاباً له على كلماته وليكون مصيره عبرة لكلمات أخرى قد تخرج من أفواه تسكنها، الكلمة هنا كانت من نوع آخر، لم تأت ككلمة موسوليني مغايرة لتاريخه الدموي وخطته المكشوفة، هي من  ذلك النوع  ذي الحديّن، أحدهما يلامس أفكار البعض ويقترب منهم وينوب عنهم، والحد الآخر يعارض سلسلة محكمة من القيود قد يُرخي وثاقها ويضعفه، وخوفاً من تحول الكلمة من السكون إلى حجر أساس مُقاوم، كانت النهاية التي شهدناها، ذلك أن الكلمة سؤال، والسؤال غالباً فكرة، والفكرة شر لا يمكن درؤه، أما الجواب فمثقل بالمعاني. 

كذلك أرهبنا موت الصحفي الأردني  تيسير النجار الذي أماتته تبعات نشره لكلماته، حتى عمّ الصمت، وأعني صمتنا نحن لا صمته هو، فهو قال كلمته بشجاعة حين أراد، وترك لنا الخوف من كلمته ومن نهايته، لقد حاول بعد كل ما تعرّض له، مواجهة الكلمة وتبنيها، وعن الكلمة واصراره كتب “منحاز إلى الحياة . لم أكن منحازا للحياة مثلما هو حالي الآن . في سنواتي الماضية خسرت الكثير ..الكثير … إلى الحد الذي يجعلني أقف ضد الموت بكل جرأة ، وقوة ؛ تلك هي  قوة الحياة : قوتي حيث للكلمة شرفها ،وموقفها، ومداها الذي يتسع بمحبة الله ورضاه.”

وجه آخر للكلمة غيبه الموت، نوال السعداوي، الباحثة المتفق على جرأتها، والمختلف على فكرها وكلمتها وفعلها وتصريحاتها، لم ينصف الموت تاريخها المليئ بالعلم والبحث والتجربة، العقلية التي قابلت موتها بالشتيمة ونصّبت ذاتها حارسة للجنة والنار لم تقرأ السعداوي أو تطلع على أي انجاز قامت به، تمسكوا فقط بإلحادها وظنوا أنهم بشتيمتها وإدخالها النار بواسطة دعواتهم أنهم يحمون دينهم الرحيم البعيد عن التشفي بالميت، فكيف يمارسون ما ينهى عنه الدين دفاعاً عنه؟، قرأت بعض كتب نوال السعداوي في صغري، كتبها كانت في مكتبة أمي  فهي درست “علم النفس” في الجامعة واحتفظتُ بها، أذكر أن أكثر ما شدّني حب نوال السعداوي الفريد “للمرأة” التي ظُلمت مراراً باسم الدين والقانون والعائلة والمجتمع، لعقلها وجسدها وحياتها ولكينونتها.  بعد ثورة عقابها وجلدها على منصات التواصل الإجتماعي التي لم تصلها في موتها، أتساءل، لماذا يخاف البعض من الاستماع لما يخالف فكره أو إيمانه؟ إذا كان إيماناً قوياً، أيهزه فكر مختلف؟.أكثر المقاطع تداولاً على منصات التواصل الاجتماعي  كان  بعيداً تماماً عن الدين، بل يختزل بدقة، فكرها السياسي والاجتماعي والنسوي، حين قالت، أدعو الفتاة إلى العمل دائماً هكذا ربيت ابنتي، المرأة التي لا تستطيع اطعام نفسها تبقى ضعيفة، تماماً كما الدول التي لا تطعم شعبها تبقى ضعيفة وأسيرة لحكم الدول العظمى، موتها استحقاق، المرسى الأخير لحياة الإنسان، ليس مسرحاً للكراهية أو التشفي الذي يترفع عنه صاحب الإيمان الحقيقي. 

الكلمة تتعدى كونها قولاً، هي فعل عنيد.

كتاباتي

“أن تتعفن حياً”

عبارة قاسية، مرهقة وتشعرك حتماً بالإجهاد،  جاءت على لسان الكولونيل أركاديو في رواية مئة عام من العزلة، حين قال  “انتبه إلى قلبك يا أوريليانو . إنك تتعفن حياً”، منذ قرأتها قبل سنوات ولها التأثير العميق ذاته، هناك نصوص تستولي على مكان ثابت في عقل القارئ لغزارة معانيها. أما السؤال الأقسى الذي أثارته تلك العبارة، من منا يحيا وهو ليس متعفناً بالمعنى الذي قصده ماركيز، أو ربما أكثر؟ 

المعضلات التي نعيش منغمسمن بها بأشكالها الاقتصادية وبالتالي الأخلاقية، وليس بالجديد أن ترتبط الأخلاق كتبعية اقتصادية أو حالة حتمية مترتبة على التردي الاقتصادي كما بتنا نشهد يومياً حالات العنف والقمع والقتل على صعيد مجتمعاتنا، أو على الصعيد الدولي، ويضاف إلى كل هذا الحالة الصحية التي أغرقت العالم بطوفانها مؤخراً، وإن كانت طارئة لكنها أصبحت وتيرة متصاعدة، وليس هناك طرف خيط يدلنا على نهاية المطاف، جميعها معطيات تُشرف بطغيان على الحالة الإنسانية، وكأن الحياة آلت إلى صراع مكشوف، البقاء فيه لمن يتخلى عن نفسه.

كنت قيد الكتابة وتحت سطوة الأفكار، أحاول دراسة إحدى الشخصيات المستوحاة من التاريخ وأبحث في عمقها لأكتب عنها، فصاحبها ثار على ظلم لحق به وبشعبه، ثم حين جاءته الفرصة ليتسلّم السلطة، أصابه مرض السلطة الخبيث وفَتَكَ في خُبث قراراته وراح كمن أشعل ثورة مضادة على ثورته الأولى، ورافق ذلك تصريحات مستهلكة لمسؤول دوّخ الشباب قبل تسلمه منصباً هاماً بخطابات حماسية تنتقد المسؤولين ثم بدوره أصبح يردد من منصبه الجديد الشعارات ذاتها التي كان دائم السخرية منها، حينها دقت ذاكرتي على عبارة ماركيز وشعرت بهؤلاء متعفنين حتى الجذور، فنحن غالباً ما نعتقد أن من تعرض لظلم في حياته، يبقى ليناً وحليماً وعلى قدر عالٍ من الإنسانية متخذاً ظروفه السابقة مرجعاً لتفُّهم الظلم الواقع على الآخر، بينما ما يحدث هو النقيض، تقتل السلطة حين تُعطى لصاحبها ماضيه، أو تتكئ عليه بحيث يصبح الوصول إلى السلطة قبر الإنسان الأخير ومولد المتسلِّط. وهنا يراوغ التكرار في فرض نفسه ويعيد التاريخ ذاته مراراً في السلم، والحرب، والمرض، والسياسة والقمع، وإنما بقوالب مختلفة ويولد المزيد من الفاسدين ويزداد العالم قُبحاً، وقد اختصر غوته ذلك كله في قوله “من لم يتعلم دروس الثلاث آلاف سنة الأخيرة ، يبقى فى العتمة”، وفي هذا تفسير عميق لعتمتنا. 

ولأن الأشياء توجد وقد خلّفَتها أسبابها، فإن تعفّن النفس حالة تصلها حين لا تتوفر لها بيئة تحفظها، بحيث يضمر جزء منها ويتعفن، ثم يتصاعد الأمر حين لا تجد علاجاً يحمي ما صلح منها فيمتد الفساد وتنتقل العدوى ليس فقط إلى الأجزاء الصالحة منها بل تطال من حولها ، فالفساد حتماً داء معدٍ.

في هذا الضباب الرمادي الكثيف الذي نعيشه حالياً، تزهق الأرواح تحت أسماء مختلفة بعضها وهمي وآخر حقيقي وتدفن الإنسانية، ومن يشهد ذلك يتلقاه في صمت بليغ، هناك فاعل أمام شاهد صامت رهين قانون القوة. تماماً كما نشهد الأرواح التي حصدها الوباء والفقر الذي زادت معدلاته، والأوطان التي تباع وتشترى، والاغتيالات المتكررة، والاعتقالات. وعلى الطرف المقابل نعيش الانتظار، والاستسلام، في مواجهة موجات  الفساد وهي تهز مناعة الروح فيصبح التعفن مقبولاً ومتناسقاً مع الحالة العامة٠ 

كنت قد شاركت  قبل أيام على صفحتي على تطبيق انستجرام سؤال وجهته إلى الأصدقاء، كيف يتعفن الإنسان حياً؟، جميع الإجابات كان فيها ما هو مشترك، ما يعني أننا نشعر أن جزءاً منا قد أصابه العفن ولو ضئيلاً، فكثيراً ما نحبس أنفسنا في تفاصيل تجعلنا نتعفن أحياء دون دراية حقيقية بما آلت إليها أنفسنا… 

سأشارك بعضها كما وصلتني:

حين ينعدم الأمل والهدف 

حين يقسو القلب 

حين يفقد الشغف 

حين يتجرد من إنسانيته 

حين يموت إحساسه بكل ما حوله 

حين يعيش ألم الماضي ويتجاهل الحاضر

وعندما يكره. 

وأضيف عليها بدوري، الأنانية عفن مقيت..

أما المأزق الأكبر الذي نواجهه فهو “النجاة” بما تبقى منا.

كتاباتي

أن تقرأ لسلمان رشدي!

تختلف وجهات النظر، والذائقة، والآراء، فالأنماط الإبداعية تختلف بحسب أصحابها وطبيعتها، والدوافع خلفها، كذلك يحصل الأمر ذاته بالنسبة للمتلقي، فالإبداع قد يتوغل في وجدان المتلقي أو قد يحدث عكس ذلك وتقذفه الذائقة بعيداً لأن تأثير الإبداع نسبي من شخص إلى آخر، حتى اختياراتنا قد تكون متناقضة في بعض الأحيان، على أمل ألا يُفسد هذا الاختلاف الودّ، أو يحولنا إلى خصوم تفجر براكين الانتقادات غير الملائمة لمدى الاختلاف أو طبيعته.

تلقيت بغرابة ردود فعل بعض الأصدقاء، حين قمت بنشر صورة غلاف “أطفال منتصف الليل؛ لسلمان رشدي كإشارة لما هو قيد القراءة حينها. وتلقيت وابل من الاستنكار ملحق بعلامات تعجب. 

بالطبع كان وجه الاعتراض أني أقرأ لمؤلف “آيات شيطانية”، ولم يشفع لي بأني أقرأ “أطفال منتصف الليل” الحاصلة على عدة جوائز عالمية وربما أكثرها، مع إيماني الدائم بأن الروايات الحاصلة على جوائز ليست بالضرورة هي الأفضل، فهناك ذائقة مختلفة للنقاد، وغالباً ما أثق بذائقة القارئ بالمقام الأول، وبفضولي، ورغبتي بقراءة كل ما يتسنى لي قراءته. تلك الموجة المُستنكِرة لم تخفف من رغبتي بإكمال قراءة الرواية، بل كانت بالنسبة لي، و بحيادية تامة، مثالاً جميلاً لرواية تنتمي لأسلوب الواقعية السحرية كما هي روايات رشدي، وخلّفت بدورها أسئلتي الخاصة.

بعيداً عن البعد الديني الذي تجرأ سلمان رشدي على تخطيه، ووقع ضحية شيطان أفكاره، في رواية “آيات شيطانية”، فإن روايته أطفال منتصف الليل كُتبت قبل سنوات طويلة من آيات شيطانية، تماماً كما كُتب على غلافها الخلفي “لم يقرأ كثيرون رائعة رشدي التي صدرت مطلع الثمانينات، لقد توقف العرب عند “آيات شيطانية” ولم يخرجوا منه إلى اليوم.

ما ورد على الغلاف يتعدى رشدي ورواياته، فما يحدث أن البعض يتوقف عن الرغبة في المعرفة، بمعنى أدق، يتوقف عن القراءة لكاتب معين وقد يصل إلى الاستخفاف به، لمجرد ظلال نقدٍ هاجمت الكاتب، تلك التي يصدرها بعضهم ويلحق بهم آخرون، دون دراية بالأسباب، أو إن كانت تستحق ما إتُهم به الكاتب أم لا.

 المسألة ليست بما تحتويه الروايات، أو إن كانت تتقاطع مع أفكارنا وعقائدنا أم لا، فمنذ فترة، حدث موقف مشابه، فقد كنت أيضاً أقرأ لكاتب أصبح مؤخراً غزير الإنتاج بصورة ملفِتة، حتى أن القراء باتوا ينتقدون كثرة إصداراته، لما في ذلك من تكرار كما يرون، ووصلتني  حينها علامات التعجب ذاتها. أيعيب الكاتب كونه غزير الإنتاج، لأتوقف عن قراءة رواية جذبني موضوعها وعنوانها ولغتها؟ أم على الكاتب أن يتوقف عن الكتابة إرضاءاً لمنتقديه؟هناك من يعطي نفسه حق النقد، وفي ذلك حرية للرأي، بينما آخرون يتبعون الموجة ويتبنون أفكاراً متجاهلين أصل الفكرة وأسبابها.

أيضاً نشرت إعلامية كانت قد خاضت تجربة الرواية والنشر، منشوراً تضمن عتاباً لأحد  الكتّاب الذي هاجمها لاعتبارها من وجهة نظره قليلة الخبرة حتى تخوض تجربة الرواية،  وذلك رده على أن روايتها الأكثر مبيعاً بحسب دار النشر، وقطعاً تبع تعليقه تعليقات لا تنتهي لمن يوافقه الرأي ويهاجم الكاتبة، وبكل تأكيد لم يقرأ روايتها أياً ممن كتب تعليقاً أو انتقص من تجربتها. 

إحدى أكثر الكاتبات العربيات شهرة تتلقى علامات التعجب ذاتها، وغالباً ما أُلاحظ موج جارف من التعليقات للتقليل من أهمية نصوصها، التعجب يطال منشوراتها ومنشورات مريديها فهي أكثر الكتاب نشاطاً على صفحات التواصل الإجتماعي. ذلك يوضح كم أن النقد المُعدي يطال الجميع، -ليس الجميع- فلا أحد ينتقد عملاً لم يُنجَز. 

يبدو الانتقاص من النجاح مع نسبية هذا النجاح ظاهرة عامة، وستبقى كذلك،  فليس من السهل إن نتقبّل سوى الاعتيادي، والمتفق عليه برمادية بائسة. وسيظل هناك مع كل خطوة يقوم بها المبدع من يحاول بلا طائل سفك روح الإبداع، وسيبقى الإبداع علامة تعجب فارقة.

كتاباتي

ما أظهره فيروس كورونا عن علاقة الشعوب بالحكومات

للدولة مفاهيم كثيرة، قد ينظر كل شخص إليها ويعطيها وجوداً ومفهوماً مختلفاً، ذلك طبعاً غير تلك التفسيرات الكثيرة التي قد تدّعيها النظريات السياسية لتسيطر على الدول وإن كانت هي أيضاً جزءاً من تكوين الدولة ذاتها. وبكل الأحوال تبقى هناك ركائز أسياسية متفق عليها، وهي بمثابة الهرم المكوِّن للدولة، وهي الشعب، والأرض، والحكم. 

أذكر مرة بينما نعيش الصراعات بأنواعها، السياسية والإقتصادية، ونتلقى نتائجها كشعوب، بأني في لحظة تأمل مضحكة، وبالنظر لما هو قائم ومعمول به، لم أجد ما يستدعي أن يكون الشعب أحد ركائز الدولة الرئيسية، لعلّه بحكم وجوده الذي لا محالة منه، يدخل حتماً ضمن أحد التصنيفات، كأن يكون أحد الأشياء التي تحملها الأرض، أو ملكية تعود إلى من يتولى الحكم، لكنه ليس بأي حال ركن مستقل ترتكز على وجوده الدولة كما يُفترض، حينها أضحكني أن يكون للشعب دوره الهام، فكيف له هذه الأهمية  في بناء الدولة، وهو يجني نتائج قرارات الساسة ويتحمل وزر ذنوب لم يكن شريكاً في اتخاذها، ورغم ذلك فهو بلا شك الأكثر تأثراً بها. كتأثره بالحروب وهي مجرد مثال لخطر يتجدد عبر الأزمنة، وضحيته الشعب الذي يُقتل ويُباد ويُحارَب. ففي الحرب إما أن نموت أو نرى الموت، فهل يُعقل أن تقوم أي حرب بمباركة الشعب على موته؟. الأرض تبقى وإن إتخذت شكلاً جديداً، والأنظمة تبقى وتحتاج إلى أجيال وأزمنة ليتغير شكلها، أما الشعب فهو الضحية الأولى والمستمرة.

ما يحدث حالياً من تغيير كبير في وجه العالم الهَرِم يطال تلك العلاقة الأزلية بين الشعب والحكومات، فهذه هي المرة الأولى بفضل جائحة كورونا العالمية، يتصدر الشعب القائمة، وتُتّخذُ الإجراءات لحمايته وتصبح الأرواح وسلامتها الهمّ الأول، وتغدو حصيلة الأموات مقياس لفشل إدارة الحكومات للأزمة في بلادها. 

في نيوزيلاندا الشعب شريك الحكومة، هكذا أعلنت رئيسة وزراء نيوزيلاندا حين قالت:”فريقنا مكون من خمسة ملايين”، وقَبِل الشعب شراكتها، لتكون بلادهم من أكثر بلدان العالم إحتواءاً للأزمة، التعاطف الكبير الذي أظهرته رئيسة الوزراء، في خطاباتها وقراراتها، وفي تواصلها مع الشعب بتلقائية، كان السر في نجاحها، لم تُعلِن الحرب كغيرها على الوباء، بل أعلنت الشراكة والدعم لتواجه وفريقها الوباء بالتساوي ذلك ما جعل الشعب أكثر إلتزاماً بقراراتٍ شعر أنه جزءاً منها وتمسّ مصلحته في الوقت نفسه. التعاطف حلّ مكان القوة والضغط، وكان أكثر نجاحاً وتميزاً. 

هذا التعاطف النادر والشراكة الأكثر ندرة بين الشعب والحكومة هما ما تحتاجه الشعوب وما ظنت أنه حق يسهل تطبيقه باعتبار الشعب أحد ركائز الدولة ومقومات وجودها، ولم يحدث أن مارسته من قبل، ذلك ما جعل ردود فعل الشعوب اتجاه حكوماتها، حتى الناجحة منها في إدارة الأزمة متباينة، فبرغم قدرة بعض الحكومات على إحتواء ما أنتجه تفشي فيروس كورونا بالنظر للإجراءات التي اتبعتها وسرعة أدائها، قد لا يجد أي طرف نفسه منتمياً للآخر، فالحكومة تصرح بقراراتها وتفترض وجوب التزام الشعب، والشعب ينفذ قرارتها، وإن لمسَ نتائج ايجابية فليس بالضرورة أن يتولد لديه رغبة في تقدير أو شكر إدارة الحكومة على تنفيذ واجب كان منذ البداية دورها الأجلّ والأهم وهو حمايته من أي طارئ يهدده، الفرق بأن ما طرأ هذه المرة فرض نفسه بصورة غير سياسية وجعل من نفسه غطاءاً قاتماً غطى العالم بأكمله، فأضحت الحكومات مجبرة على الإلتفات إلى الشعب، والذي لا يجد جهودها وإن كانت ناجحة كما أسلفت، شيئاً تُشكر أو تُثنى عليه، بل قد يجد للمرة الأولى نفسه يمارس حقاً طبيعاً من حقوقه وهو “الحماية”. وتمارس الحكومات واجباً كان مهملاً، ما يجعلها تتخبط في أداء دور كادت أن تنساه. 

كتاباتي

بينما يَنْتُج عالم جديد هناك من يعيش أزمة أزلية ..

الحرب الأشرس التي يواجهها البعض بصمت ووحدة في ظل موجة الحظر الصحي، هي حرب البقاء والتصدي للجوع والمرض، والتماسك إلى أن تنقشع غيمة كورونا السوداء غزيرة المفاجآت، والتي لا أحد يعرف سبيلاً حقيقياً واضحاً لخلاصها وإنتهائها. حرب أولئك الذين بالكاد كانوا يجمعون قوتهم بشكل يومي، أو حتى أصحاب الدخل القليل الذي لا يحتمل أسباباً طارئة تجعله يزداد انكماشاً، وهم ذاتهم الذين كانت أقصى أمنياتهم أن ينتهي يومهم وقد تمكنوا من توفير أبسط حوائجهم. 

 كثرُت التنبؤات حول إنتهاء الأزمة العالمية التي سبّبها فيروس كورونا وإنتشاره الشرس، وعطفاً عليها أيضاً كثرت السيناريوهات المحتملة للعالم الجديد من بعده، بجوانبه الإقتصادية بالتأكيد والإجتماعية والنفسية والصحية. البعض أمهلها بضعة أشهر، وآخرون يتوقعون امتداد آثارها الكارثية المباشرة حتى نهاية هذا العام وغيرهم يتوقعون استمرارها حتى نهاية العام القادم. سلسلة التوقعات مشابهة لسلسلة التكهنات حول أسباب تكوّن الفيروس وانتشاره، وهي لا تنتهي بل تتجدد بشكل تلقائي كل يوم. وضمن العزلة المفروضة على الجميع كلّ يحاول إستثمار ما يملكه من فكرة أو وقت أو حلم أو مشروع على أمل أن تنتهي ويرافقها نتاج طيب. على الصعيد الأدبي مثلاً هناك من بدأ فعلاً بتحويل الأحداث إلى نص يروي واقعه الحي بمصاحبة خياله، وآخرون يراقبون ويستلهمون مما يجري أحداثاً قد يُبنى عليها نصوص مستقبلية، فلا يمكن تجاهل ما يحدث، فهو زمن يحمل خصوصية غير مكررة على غرار زمن الكوليرا الذي بنى عليه ماركيز رائعته “الحب في زمن الكوليرا”، وهو العنوان الأكثر تردداً واقتباساً هذه الأيام. 

رغم أني أجد الصورة غير مكتملة بعد، فحتى إنتهاء الوباء واستقرار الصورة الجديدة للعالم وما سيؤول إليه، يبدو الوضع قابلاً للتندر ومع ذلك فالأثر الكارثي لن يختلف على البعض، فهم ليسوا بحاجة إلى تلك التنبؤات بل لعلهم الصورة المستقبلية الواقعية للأزمة التي يحاول البعض وصفها، فعلى سبيل المثال نُشرت قبل أسابيع قليلة تقارير في الولايات المتحدة، تؤكد أن الأفارقة من ذوي البشرة السوداء هم الضحايا الأبرز في الولايات المتحدة بحيث ترتفع بينهم نسبة الوفيات من المصابين بالفيروس، وذلك بحد ذاته أثار زوبعة من التساؤلات والانتقادات حول التأمين الصحي المتاح لهم وظروفهم المعيشية الصعبة والعنصرية الموجهة ضدهم في بعض الولايات، هؤلاء وإن كانوا الحاضر لكنهم صورة ثابتة للفقر في الماضي وفي المستقبل، وهم كذلك المرادف للفقر والفقراء في كل دول العالم وبالأخص في أوطاننا، وبالتالي الفئة الأشد تأثراً بلا شك بأي جائحة أو أزمة تصيب العالم في أي زمان ومكان، الفرق الوحيد أن إعلامهم هناك قادر على تسليط الضوء على هذا الواقع بينما في البلاد العربية يتم التعتيم على هذه المسألة أو ردها إلى أسفل قائمة الأولويات، بحجة أن الجائحة عامة وأصابت الجميع، والجهود تُبذل للنجاة وتشمل الجميع. أصحاب الاستثمارات والملايين بل المليارات سيعوضون خساراتهم بما تبقى من ملايينهم بعد هذا الركود، لكن هؤلاء لن يعوضوا أرواحهم المهمشة فوق التراب وتحته، فالعزلة أوالحجر أو التوقف عن العمل مهما كانت التسمية ليست إلا قيد جديد يضاف إلى سجنهم الحياتي وحصار ظروفهم المُجهِدة ذلك ما جعلهم أول الضحايا. 

تلك هي الفئة التي لا بد من توجيه الإهتمام عليها وإعطائها الأولية القصوى، ليس فقط وسط هذه المحنة، فهم لا يملكون ما يساعدهم على البقاء، وليس لديهم مخزون مادي ولا حتى بنية صحية قوية تجابه المرض، ماذا عن أولئك الذين ليس بامكانهم تدوير الأشياء البسيطة والعودة إلى الوراء على سبيل المتعة كما يفعل البعض وهم يستعرضون صور إعداد الخبز المنزلي وغيره من الوصفات البيتية القديمة وكأنه في نزهة ريفية ضمن إجازة طويلة، كيف سينجو هؤلاء من هذا المنعطف الحاد إلى أن يصبح الطريق ممهداً للحياة من جديد؟

نعم تتصيد الشعوب اليوم أخطاء حكوماتها وهفواتها فما يحدث لها كفيل بأن يخرجها عن صمتها، تأخر استجابة الدول العظمى لتهديد كورونا واستهتارها به كان تقليلاً بمكانة وحجم الإنسان، فالهموم الإقتصادية والسلطوية لها دوماً الأولوية الكبرى، وبالطبع لحقت بها الدول الأخرى ومنها النامية فتأخرت هي الأخرى. سياسات الحكومات في العالم وكيفية توجيهها نحو شعوبها في ظل طابعها الأناني المقيت والبعيد عن المسؤولية، تذكرني بنص ساخر لفولتير من روايته “كنديد” حين كتب:-

«وكان قد قُبض على رجلين أكلا فرخة مع نزع شحمها، فقيّد الدكتور بنغلوس وتلميذه، الأول لأنه تكلّم، والآخر لأنّه استمع له سماع استحسان». 

منذ زمن والحروب تجعلنا نرى عوالمنا بخرائط مشوّهة لا تشبه تلك التي عرفناها كما لم تصل بعد إلى شكلها النهائي، اليوم هذه العاصفة الصحية الخبيثة ستأخذنا إلى عالم جديد بعد أن اهتزت أركانه القديمة بلا شك. حين نخرج من هذا الاستثناء الزمني، هل سنعود إلى أنفسنا ذاتها الواثقة من ثبات الأرض التي تحملها أم ستتكون أنفس جديدة يغزوها الشك، القادم أصعب بلا شك.